الصفحة 92 من 214

إن العيش في المجتمع العام، والتفاعل مع أحداثه، قد يستهلكان المخزون الإيماني الذي يملكه المدعو، فيقف عطاؤه عند حد ويفلس، وعلاج ذلك أن نجعل له موردا دائما تتكفل به حياة المسجد، وما فيها من سكون وصفاء نفس، ورحمة متنزلة وإلهام [1] . أهـ

إن المسجد ميدان خصب لخدمة الدين، وسبب ذلك أنه مهوى أفئدة المسلمين في كل مكان، فمن لا تستطيع لقياه خارج المسجد، ومن تتحرج من نصيحته ودعوته في الطرقات والمنازل، ستجده في المسجد مستعدا لكل نصيحة، وراغبا في كل خير. بل إنني أجزم أن كثيرا من الناس الذي يحتاجون النصيحة، يعلمون أن الدعاة يخافون ويستحيون من إعطائها لهم خارج المسجد، فيأتون ونفوسهم في شوق أن يرزقهم الله رجلا صالحا يأخذ بأيديهم إليه.

وقد حدثني كثير من الشباب أنهم كانوا في جاهليتهم ينظرون إلى الملتزم بالدين نظرة إكبار وإجلال، وأنهم كانوا يرون ترداده إلى المسجد مظهرا يحرك كوان الإيمان في قلوبهم، وأنهم كانوا يتمنون أن يكونوا مثله في الطاعة، وأن لو كانوا مثله: كثير الترداد على المسجد.

وما سبق: قدمته لتأسيس قاعدة في قلوب الدعاة، وهي أن أية دعوة لا بد أن تكون نقطة انطلاقتها من المسجد، وأن المسجد يجب أن يكون المحور في كل عملية إصلاحية، أو دور تربوي يراد تفعيله وتطبيقه.

ولقد آن الأوان أن ندرك هذه المسلمة لتنطلق جهودنا واثقة، وتتحفز هممنا في يقين، فالمسجد متنزل السكينة، ومهبط الملائكة، ومحط الرحمات الإلهية.

إن جهود خدمة الدين تتضاعف في المسجد، ويكتب لها من البركة والقبول أكثر مما يبذل خارجه، ولذلك وجب أن نستغل كل نشاط ممكن، ونستثمره في المسجد بالصورة الشرعية التي تحقق مقاصد الدعوة الإسلامية الأصيلة.

ولا ينبغي أن يغيب عن الذهن أن المساجد لم تبن إلا لإقامة الشعائر وتعظيم حرمات الله، كما قال صلى الله عليه وسلم للأعرابي الذي بال في المسجد: (إن المساجد لم تبن لهذا، إنما بنيت لذكر الله والصلاة فيها) رواه البخاري ومسلم.

وفي غمرة النشاط الدعوي يجب أن نحقق هذا المقصود حتى لا ينقلب المسجد إلا ساحة لعب ولهو، فنكون - والعياذ بالله - ممن بدلوا نعمة الله كفرا.

(1) المسار لمحمد أحمد الراشد ص 137.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت