الصفحة 96 من 214

ويشير إلى أن الدعاة ينبغي أن يكونوا بمثابة النواة التي تدور حولها توابعها وهم أفراد المجتمع، وأنه يجب أن يبلغ الدعاة في العلم والتخصص والريادة ما يؤهلهم أن ينجذب لهم المجتمع انجذاب إلى النواة، وذلك بأن يكونوا صناع حياة، لا يستغني عنهم المجتمع بحال.

وضرب مثلا بالفقيه المتخصص المجتهد الذي تحتاجه الأمة مرجعا وثيقا مطلعا في كل مجالات الحياة، والخطيب المصقع الذي إذا قال أسمع، وإذا خطب أخضع، والمهندس العبقري الذي يبهر الناس بجمال تصميماته والطبيب الحاذق المتخصص في مجالاته، وحتى الخطاط الذي يخط العربية في جمال ووسامة مسبغة قيم الجمال ورونق البهاء على اللغة العربية التي أعجزت في مبناها وأعربت في معناها وأدهشت في جمال رسم حروفها وكلماتها.

ويرى - حفظه الله - أن الدعوة لو عملت في مدة دعوتها على تكوين النويات التي تستقطب أفراد المجتمع فإنها بذلك ستقود المجتمع تلقائيا، وتسيطر على اتجاهاته ببساطة.

ولن نغالي إذا قلنا: إن الدعاة الآن هم المستقطبون وليس الناس، فكثير من الدعاة تذهب بهم الريح حيث مالت، وتعوج بهم التيارات حيث سارت، وذلك لأنهم لم يمارسوا دورهم في جذب قلوب الناس عبر التخصصات النادرة، فيما يرى المجتمع ضرورة الإذعان لها والتسليم بها والاعتماد عليها.

إن الطبيب المتخصص في الأفرع النادرة إذا أجرى عملية جراحية صعبة لمريض، وكتب الله لها النجاح فإن ذلك الطبيب يكون بمثابة المنقذ والبطل، حتى إذا ما ألقى الطبيب نصيحة - ولو كانت عن أمور الدين - فإن المريض سيتلقاها بصدر رحب وقد يكون بتنفيذ سريع.

وقد رأينا أناسا أوصاهم أطباؤهم بالصلاة لعلاج آلام المفاصل فهرعوا سراعا إلى طاعة الله عز وجل، وبعض شداة الأدب واللغة إذا رأوا أستاذهم وقدوتهم فيما يحبوه غيورا على الدين منافحا عن الشرع اقتدوا به تأثرا، وتابعوه إعجابا وإكبارا.

ولن أذهب بك كل مذهب أيها القارئ، بل أكتفى لك بمثال أخير واضح لكل عيان، وهو كيف أننا نرى الطالب المجتهد المتفوق قدوة لزملائه وأسوه لأصدقائه، وكيف أن ذو المهارة على الدوام يقول: من معي؟، وذو البلادة في تبعية يقول: أنا مع من؟.

إنها سنة الله في الخلق أن يجعل المتميزين قادة، والمتفوقين ساسة، ولن تخطئ عيناك هذه القاعدة في البهائم الرتع، كيف أنها تنقاد للفحل القوي، وتذعن لإرادته وتتبع طريقه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت