الصفحة 98 من 214

وليس الجهاد الذي نتكلم عنه ونريد توطينه معانيه وقيمه في أعماق قلوبنا بذاك الذي يفعله بعض المتهورون من المنسوبين للصحوة، ونحن لا ننكر غيرتهم، ولا نتهم نياتهم، ولكننا في الوقت نفسه لسنا مضطرين أن نحرف الحق ليلائم فكرة ارتآها ناقص في العلم أو قاصر في التجربة.

إن المقصود بالجهاد الذي - مدحه الشرع - ما أحدث النكاية بالكفار لا ما ألحق بالمسلمين الاستئصال والدمار. وإذ نؤكد على معاني الجهاد في زمان اعتبره الناس تطرفا وإرهابا وتخلفا ورجعية، فإننا في الوقت نفسه نملك الشجاعة في نقد الذات واتهام النفس ومواجهة الضمير بالخطأ والرجوع عنه، فالحق أبلج، والرجوع إليه فرض [1] ، ونقاء ديننا أغلى من أن نفضل عليه كبرياء نفس أو تأخذنا عنه عزة بالإثم.

وقد بدى لكل ذي بصيرة كيف أن بعضا من الجماعات التي تبنت خطا جهاديا بعيدا عن مشاورة أهل العلم وبصيرة أهل الخبرة والنصيحة قد اكتشفوا بعد فوات الأوان أنهم كانوا يسيرون في الطريق الخطأ، وأن خطأهم هذا كبدهم الكثير من الخسائر، ومن أخطرها أن تسلك الدعوة طريقها بثقة، وأن تتدرج في صراعها على وفق القوانين الشرعية والكونية.

وقد اكتشف أولئك - فيما بعد - أنهم لم يكونوا يخدمون الدين، بل جروا عليه وعلى أهله من الأذى والصد ما ستظل الصحوة تذكرها أبد الدهر [2] . ونحن بحمد الله لسنا بالشانئين على أهل الإيمان - كيفما كانوا - ولا الشامتين بمبتلى - قدر ما كان بلاؤه - بل يعلم الله سريرتنا في مولاة

(1) من الشائع في ألسنة العامة: الرجوع إلى الحق فضيلة، وقد سرى معنى هذا المثل في قلوب الناس حتى غدا عقيدة اجتماعية، وأصبح الرجوع إلى الحق عند الناس متروك لاختيارهم ومروءتهم، بينما الشرع يقرر أن الإعراض عن الحق اتباع للهوى، واتباع الهوى يضل عن سبيل الله، قال تبارك وتعالى: {يا داود إنا جعلناك خليفة فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله} .

(2) إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يجاهد إلا حينما أذن له الله تبارك وتعالى، وكانت مراحل تقنين الجهاد توحي بأن المسلمين لم يكلفوا بمرحلة إلا بعد أن استوفوا إمكانياتها، فكانت مرحلة الدفع أولى المراحل، كما قال تعالى: {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير. الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله} ، وكان هذا في بداية العهد المدني، كما نلاحظ أن الجهاد لم يفرض في مكة قط لانعدام القدرة، بل أمروا بكف الأذى والصبر، كما قال عز وجل: {ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية} ، ثم فرض بعد ذلك جهاد الطلب لما استحكم الإعداد وتهيأت العدة، قال تعالى: {واقتلوا المشركين حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم} . ولا ينبغي أن نمتري أن القدرة شرط ظاهر وواضح في كل تكاليف الشرع عامة، وفي التكاليف الشاقة التي تتطلب إعدادا وعدة من باب أولى. والقدرة تتفاوت بين المكلفين، ولها ... - أي القدرة - أثر في تحديد مراحل الجهاد ومستوياته، وأوضح دليل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم بعد صلح الحديبية: (الآن نغزوهم ولا يغزونا) . ولنختم بكلام شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا الصدد، حيث قال رحمه الله في الصارم المسلول (2/ 413) : فكان ذلك عاقبة الصبر والتقوى الَّذين أمر الله بهما في أول الأمر، وكان إذ ذاك لا يؤخذ من أحد من اليهود الذين بالمدينة ولا غيرهم جزية، وصارت تلك الآيات في حق كل مؤمن مستضعف لا يمكنه نصر الله ورسوله بيده ولا بلسانه، فينتصر بما يقدر عليه من القلب ونحوه، وصارت آية الصغار على المعاهدين في حق كل مؤمن قوي يقدر على نصر الله ورسوله بيده أو لسانه، وبهذه الآية ونحوها كان المسلمون يعملون في آخر عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى عهده خلفائه الراشدين، وكذلك هو إلى قيام الساعة، لا تزال طائفة من هذه الأمة قائمين على الحق ينصرون الله ورسوله النصر التام، فمن كان من المؤمنين بأرض هو فيها مستضعف أو في وقت هو فيه مستضعف فليعمل بآية الصبر والصفح عمن يؤذي الله ورسوله من الذين أوتوا الكتاب والمشركين وأما أهل القوة فإنما يعملون بآية قتال أئمة الكفر الذين يطعنون في الدين وبآية قتال الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. أهـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت