فهرس الكتاب
تلك المنزلة من الفضل، فسبقوا سبقًا بعيدًا، لم يبلغه من قبلهم ولم يلحقهم فيه من بعدهم، وهذا من فضل الله -تبارك وتعالى- عليهم.
علموا أنه بالتقوى وبالصبر يغلب الأعداء ويهزمون، كما ذكر الله تبارك وتعالى: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا [آل عمران:120] علموا أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ينصر عباده وأولياءه، مهما قلَّ العدد ومهما قلت العدة، فلذلك اتقوا الله عز وجل فيما تولوا من الأمور، وفي حياتهم الخاصة كانوا رهبانًا بالليل فرسانًا بالنهار.
يقول أبو عثمان النهدي تلميذ أبي هريرة -رضي الله عنهم- أجمعين: [[ما كان بيت أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ينام أبدًاَ، كان أبو هريرة يقوم ثلثه، وامرأته الثلث الثاني، والجارية الثلث الآخر] ] ما كان البيت يهدأ.
ولذلك انظروا آثار هذه التقوى، نفع الله بعلمهم، فأصبح هذا يقرأ ويحفظ ويتلى إلى قيام الساعة، ولهم من الأجور مثل أجور من اتبعهم في هذا العلم {إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، ومنها: علم ينتفع به} ، فنفع الله بعلومهم، فلهم ذلك الأجر، وذلك لما اتقوا الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في ولاياتهم، وحدِّث من ذلك العجب العجاب.
كان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وهو من أئمة المتقين، وساداتهم ماشيًا ذات يوم في سوق المدينة في سوق الإبل، فوجد الناس يريدون أن يبيعوا الإبل، ووجد إبلًا سمانًا أكثر من غيرها، فسأل: لمن هذه؟ قالوا: لعبد الله بن عمر، فدعاه فقال: يا عبد الله أنى لك هذا؟! ما لي أرى إبلك أسمن من إبل غيرك من المسلمين،