فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 72

انفعالي، وهو ينّدس كالجرذ بين العلب التي سدت المدخل، يلجها في هدوء، ثم ينط من فتحاتها نحوي، ولا يبالي، كان يحمل مطرقة، اقترب مني، أدرك انفعالي، أخذ مني قطع الخشب، وراح ينظفها من المسامير وأقوم أنا بالتفكيك السريع.

هكذا لبثنا سوية، وهو يحدق بوجهي، وبساعدي المضرجتين بالدم الحي، كانت عيناه دامعتين، وهو ينظر نحوي، ويحاول قول شيء، نظرت إليه أكثر، تغيرت سحنة وجهه، وأخذ ينشج ويتجلد، ندَّ منه صوت حاول كتمانه، ثم قال: لماذا تبكي ياعم..؟.. قلت: أنا لا أبكي ياولدي.. أنا لا أبكي..! مسحت عيني بكم قميصي وواصلتُ..

أخذ ينتقل بجسده الصغير من مكان إلى آخر، حاملًا القطع بصعوبة، يبقيها بعيدًا عني كي لا تسد الطريق، خليتان نشطتان صرنا وسط موت طاغ، تملأ رأسينا الصرخات والاستغاثات، وحين انتهيت، تنحى جانبًا وجمع المسامير المعوجة على بعضها، وكون منها كدسًا كبيرًا ثم انتقل إلى كوم المسامير ليوم أمس، وأخذ يعيد لها استقاماتها بالمطرقة التي جلبها معه، بينما انشغلت أنا برصف القطع على بعضها، أبحث عن زاوية فارغة منها، أسدها بكتلة متراصفة حتى حجبت قامة الصبي عني، واضمحلت الفتحات والمداخل، أخذت الشقوق والثقوب في السقف ترسل ضوءها على سطوح القطع من الأعلى، بعيدًا عنا، حيث ازدادت عتمة المكان.. كنت محاصرًا، لا شيء ينقذني.. رحت أفكر.. في أي مكان أستطيع التفكيك من جديد فالرفوف الخشبية من أمامي، وأخرى من خلفي..، تسيجني الرفوف من الجانبين، وأنا نقطة تائهة وسط هذا الجوف الذي أخذت رفوفه تقترب مني، وتحاصرني، وتسد المنافذ دوني، بينما امتلأ المدخل الآن بالصناديق المدَّماة والساحة كذلك، فمن أين لي القدرة على التحرك..؟! ومن أين لي بالفسحة لأقوم بالتفكيك والرصف والتصفيف فيها؟! ارتخى جسدي، حيث أدركتني أصوات خافتة ونداءات آتية من أماكن بعيدة نائية، لا أدري أمن القطع والعلب؟! أم الحناجر.. تأتي باتجاهي..؟! وتملأ كل خلية من جسدي، حدّ رأسي، تختلط مع بعضها وتسد مساقط الضوء، التي كانت ترشح ضياء، يذوب على سطوح الرفوف، ويتبعثر، ثم يتلاشى، إذ لا قدرة لي الآن على التفكيك، ولا حتى التركيب مطلقًا واليوم الرابع لم ينته بعد.. أنا محاصر بين رفوف الخشب والصلب، والتي سدّت باب الجوف، وحالت دون حركتي...

آذار 1990

الردهات

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت