فهرس الكتاب
لم أشعر بالضعف والخور، مثلما أنا عليه الآن، خاصة في لحظة انتصابي أمامه وجهًا لوجه، معتبرًا أن المسألة يمكن أن تمر كما اعتدت، وبشيء من السهولة المرتبكة، لكني أدركتُ أن هذا الأمر بات مستحيلًا إزاء التوسلات و التشنجات التي لاحظت خلالها، أن كل أحزان العالم قد تجمعت في وجهه، وأن تلك الغضون والتجعدات، ماهي إلاّ طيات لحكايات وأوجاع، كان قد استجمعها في كل سني عمره.
ولم يطلق عنانها غير الآن، ولا أدري لم شعرت به مثل محاصر داخل مساحة ضيقة، حيث تزداد ضيقًا، وهو يتلوى، ربما وصل به ذلك إلى حد الاختناق.
كنت وقتها أزداد حسرة على كل ماضاع من العمر، وانطفأ من ضياء في حياته، ولا علم لي، أكان يحس بذلك أيضًا؟! أم أن ماذهب به، أنساه كل شيء؟! ربما انمحت كل ذكرياته، غير أني عدلت عن رأيي وأنا أستعيد في ذهني كل الأيام العصيبة التي مررنا بها سوية. كان يقترب مني بشيء من الإلفة، مستدرجًا إياي إلى هدفه، وحين أمانع يطأطئ رأسه ويتوسل كالطفل، إلى أن يلتصق أنفه على جبيني، إذ يفرغ كل الحب المختزن دفعة واحدة، كمن يشم عطرًا فواحًا، إنه يشم رائحة نادرة في هذا الطفل الذي رعاه، والذي هو أنا، وكم كنت أتوجع لفعلته هذه، أعلو معه، أتسلّق سلّم البيت، وفي جسدي تنشب ذئاب البرد أنيابها، وفي تعداد المرّات التي نتسلق بها السلّم سوية، وجدتُ أن ثقل جسدي والنعاس يعيقاني عن المواصلة، وهو يستنهض فيَّ أحاسيس نائمة أستدير نحوه وأقول:
-وماذا بعد..؟
-فقط هذه المرة..؟
-وكالمرة السابقة ، لاشيء..!
-لا تقل ذلك، لأنه ينتظرنا على السطح..
-لاشيء على السطح، لاشيء..!
-بل توجد أشياء، وأنت لا تعرفها.. لنصعد...؟