فهرس الكتاب
أخذتني الرعشة المفاجئة، وأنا أحدق في السرير، حيث ولجت الردهة، وتذكرتُ أن دخولي الجناح هذه المرة، لم يكن اعتياديًا، كان جمع منهم يقف على الجانب. انتبهوا لحضوري الذي كان مفاجئًا، تبعني بعضهم، وهم يلهجون باسمي، استدار البعض نحوي، استغربتُ، ما الذي جعلني بهذه الإلفة، عند هؤلاء! أعلاقتي البسيطة أم اهتمامي بهم دون النظر إلى جنونهم...؟! لا أدري، كل الذي أعرفه أن ثمة مساحة مليئة بالأزهار تلك التي عرشت في دواخلهم، واستقرت صورتي وسطها، شيعني الجميع. أسرعت وأنا أحييهم بأسمائهم، قصدت الردهة، وداهمني شك بحدوث شيء لأبي.. ولم تستقر نظراتي إلاّ على السرير الذي وجدته فارغًا منه، لا يحتله جسده الضئيل، ماهذا الصراخ الذي سمعته؟! وماهذه المشاهد الجنائزية التي أحاطت بي؟! كنت قد بكيت دهرًا، كما بدا لي.. وأنا أحدق بهذا الفراغ، حتى تحولت الردهة إلى حيز ضيق، كل شيء يضيق وتمنيتُ البراري والصحراء، كي أستجمع حزني وأُطلقه دفعة واحدة، وأروح أنوح وأصرخ دون أن يسمعني أحد، أي دهر مرّ بي ساعتها، وأي فاجعة احتوت جسدي؟! استجمعت حزن السنين، وقلت في نفسي، أو ربما صرخت، كمن يصرخ في وادٍ، لكن النداء تبعثر وانطلق من بين فتحات الشبابيك وتخلل البرد والهواء وعمَّ الفضاء، فقد سمعتُ صداهُ يتردد، وكدت أن أنفجر ببكاء طويل، لولا تدارك أحد النزلاء للأمر حيث قال:
-لقد غبت طويلًا يا أخي...!!!
اتجهت نحوه بنظراتي، وتجمعت كومة من الأسئلة في رأسي، غير أني عجزت عن النطق بل رددت كالمهووس:
-أين هو الآن؟! قل أين هو؟!
-قال: - دخل إلى دورة المياه..