فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 72

حدقت به وبالسرير، وارتجفت فجأة، كأن أرضًا معشوشبة حلت محل هذه الردهة، ذات الرائحة العفنة، كان السرير رطبًا، تنبعث منه رائحة البول والعفن، وضعت حاجياتي فوقه، ثم أسرعت خارج الردهة، كانوا جميعهم بانتظاري في الوقت الذي كان فيه والدي متجهًا نحوي، مطأطئ الرأس كعادته، يعاني من ثقل رأسه، أو أنه يبحث عن شيء مافي الأرض، إن رأسه يرغمه على ذلك..؟! إذ فقد السيطرة عليه. وحين رفع رأسه ولمحني، تسمّر في مكانه كالملدوغ، أخذ يحدق بي بانكسار تقلصت تقاطيع وجهه، حيث بدت عيناه منتفختين، ووجهه كالليمونة الجافة، التصق جسدانا، راح ينشج كالطفل، وأنا أضغط على عظام ظهره، وحين تمثل وجهه أمامي، لاحظت ضمور أوداجه، حيث نبت ذقنه، فبدا بياض شعره واضحًا، وهو الذي ماترك شعرة بيضاء في شاربه، قدته من يده إلى الردهة، وكالعادة امتلأ وقتي بالانشغال به، وراحت دعاباتهم تستجمع فيَّ الشجاعة، أنستني كل حزني، عدا ما أقوم به داخل الردهة، من طقوس أسبوعية، قلتُ: لم أجد مايفاجئني، إلاّ تلك اللحظات، ومازلت أُدقق فيها، وأبحث عن الشيء الذي قيدني، وكبلني بالضعف فحين كنتُ أهمُّ بمغادرة الردهة كالعادة، قال:

-أرجوك ياولدي.. لا تتركني لوحدي بينهم..؟

استغربت للأمر، قلت:

-وهؤلاء..؟ ألم يكونوا معك دائمًا..؟!

-هل يعوضون عنك ياولدي..؟

-ولكن سيخففون من وحدتك.

-بل سيزيدون عذابي، إنهم يهيمون في الليل.

تصورته داخل صحراء موحشة قلت في نفسي: أي وحشة تعاني أيها الرجل، وأنت في لحظاتك تلك..؟! وكم أحسست بالوحشة القاتلة..؟ آه.. لو تعلم مبلغ ألمي لما ردّدت هذا أمامي. وبدون تفكير منّي خضعت إلى تلك القبضة من كفه، التي شدَّ بها يدي، ولم تكن قوية فقط، بل إنها أحدثت في جسدي ارتعاشات لم أحس بها من قبل ، بعدها امتدت أشياء لم أتبين معالمها، بقدر ماخضعت لمشيئتها، تسلل كل شيء إلى جسدي، ولم يبق في رأسي سوى ماقاله... أخذ يكبر، ويكبر حيث يتردد صداه، وإحساس بقوة يده التي تضغط على يدي حينها استسلمت له وقلت:

-لا عليك.. سأبقى معك كما تحب..

-ولم أفكر بالكيفية التي سأحقق بها رغبته، بل أخذتني قوة لذلك، فقط أجلسته على السرير، حيث أصبح مطمئنًا لمكوثي معه، فهدئ جسده وارتخى، وراح يمضغ بعض الطعام الذي أحضرته كالطفل المدلل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت