فهرس الكتاب
في الليل، كان عليّ أن أظهر أمامه، فقد عرف مكان اختبائي تحت سريره، ولا أدري كيف استطعت أن أقضي كل ذلك الوقت، وأنا أقوس ظهري، يمتلئ أنفي برائحة البول. حيث خرجت له، كان لظهوري مكانة المارد، ابتسم وكأنه ينتظرني، انبرى قائلًا:
-انظر إنهم هناك في الخارج ينتظرونني..
-من هؤلاء...؟
-كلهم ، ألا تعرفهم..؟
-لا والله..!
-ألم أقل لك عليك الاختفاء بهم دائمًا..؟
اندهشتُ ، مازالت ظلال الفكرة مرتكزة في ذاكرته، كما كان يقودني من يدي، يرتقي السلّم بهدوء، ورغبة وتعطش، يدنو شيئًا فشيئًا، ندرك سوية السطح، يباغتنا البرد أختض، يرتجف جسدي، أهتز كالشجرة، لم يبال هو بالبرد، ظلام دامس ، أشباح تتراقص في الظلام، صور متداخلة شتى ، عيناي مليئتان بالنعاس، جسدي واهن، مشحون بالهواجس، وحين أفتح زر المصباح يمتلئ السطح بالضوء، يخرج مسرعًا، لاشيء ينتظره، يدور في الأركان ويردد وهو يؤشر بيده:
-انظر.. انظر..
ولحظة لا يعثر على شيء يشعر بالخجل. أقوده، ويقودني إلى الباب وهو يردد:
-ربما رحلوا. بعد أن ملّوا الانتظار..!
تتكرر الحالة، يطلب فتح الباب:
-إنهم في الخارج.
-لاشي، لاشيء البتة..
ويتردد في رأسي: - إنهم في العالي، إنهم في الخارج..
جسد مليء بالملل والتوتر، يلاحظ شرودي وضجري، يربت على كتفي، يضحك، يأخذني من يدي إلى الخارج، حيث ساحة الجناح، خارج الردهة، يطوف بي رواق الجناح، برد وصقيع، مصابيح مضاءة في الردهات، أصوات شخير وزفير غير منتظمة، روائح عفنة، تنبعث من الداخل، ويكمل الدورة، يتركني حيث يذهب إلى دورة المياه، أسرع إلى الردهة، أبتعد عن البرد، وحين يدخلها يجلس على السرير ينظر نحوي ويقول:
-ألم أقل لك إنهم في الخارج ينتظرون..؟
أجبته: - نعم كما قلت.. كما قلت..
ويردد: - لقد جاءني يوسف ليلة أمس..
-إلى هنا..؟
-نعم.
-متى...؟
-في الليل، وجلس على السرير.
-في الليل أيضًا..؟
-نعم دخل من هنا.
وأشار إلى الشباك..!
تصورت يوسف يصغر شيئًا فشيئًا، ثم ينّدس من بين فتحات الشباك، بعدها يستعيد حجمه، تألمت لهذه الفكرة، قلت:
-أبعد عن رأسك هذا يا أبي.