فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 72

ضحك، رفع ساقيه، وضعهما على السرير، ثم قرفصهما كعادته، لفهما بدشداشته كان يتكور على الأريكة أمامي هكذا.. وحين لا يعثر على الراحة التي يبحث عنها، يدير رأسه إلى الجهة الأخرى، ثم يلملم ساقيه، وهكذا، غير أنه ينهض ويروح يسترق السمع من النافذة، وكأنه يسمع أصواتًا لا أسمعها، ويقول لي، اسمع، اسمع، بينما أهرب إلى الغرفة الثانية، أشرع بالنشيج.

كان الليل يعصف بالأشجار، وأنا أحس بالتعب الشديد وبالإعياء، كأن أمعائي تخرج من فمي، وهو يقودني مرات ومرات إلى الخارج، ويشير إلى الشباك، بينما تنهك قواي، وفجأة باغتني بالصراخ، أخذ ينشج ويصرخ، حاولتُ تدفئته بالبطانية، لكني لم أستطع، كان يصرخ ويسب يوسف، ويلعن الجميع، ويردد جملًا متقطعة لم أسمعها منه من قبل.

-دعوها تدخل.. دعوها.. فإني بانتظارها من سنين طويلة دعوها، وتساءلت مع نفسي من تكون هذه؟! وحين أعاد كلماته مرات، ومرات، وأضاف إليها، حتى تيقنت أنها أمي ليس إلاّ. هذا الرجل في رأسه صورة لاتفارقه مطلقًا. ازداد صراخه، سمعت وقع خطوات في فناء الجناح، اختبأتُ تحت السرير كانت الممرضة تحمل بيدها إبرة الزرق، وما إن اقتربت منه حتى همَّ بالانصياع لها، كانت لها سطوة عجيبة، وزرقته الإبرة، وأخذته من يده، قادته إلى السرير، أجلسته، رفع المعين ساقيه، وضعهما فوق، ثم دثراه بالبطانية الرطبة وهو يردد: لقد كان هنا، ولدي كان هنا..

التفت المعين إلى الممرضة ثم قال:

-نفس الشيء، كل يوم يردد هذا، ياللمسكين كم يحب ولده..؟!

ثم خرجا من الردهة..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت