فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 72

خرجت من تحت السرير ، بعد فترة طويلة، وبعد أن سمعت أنفاسه تنتظم، فكرتُ في نفسي؛ ما الذي دفعني إلى مثل هذا؟! وكيف سأتخلص من المأزق؟! نهض أحدهم، أخذ يتجول في الردهة، باحثًا عن شيء ما مفقود منه، أو كأن نداءً ما أفزعه من فوقه، اقترب من أحد النزلاء، سحب طرف البطانية من على جسده، بعد أكمل سحبها، أخذّها ثم فرشها على سريره. استدار كرة أخرى إلى أحدهم، فعل نفس الشيء، حتى تجمع لديه عدد من البطانيات، رتبها على الفراش بانتظام، بينما بدأت أجساد الآخرين ترتعش، وتختض كجسدي، حاول سحب البطانية من على جسد والدي، لكني تمسكت بها بقوة، ثم غادر المكان، حيث اندس تحت الغطاء السميك الذي وصنعه لنفسه من أغطية الآخرين، كان الغضب يمور في داخلي، نظرتُ إليه بصرامة وشدة. لاحظتُ الضعف قد أحاطهُ من جميع الجهات، سحبت البطانيات منه، وأنا أقف أعلى رأسه، ثم أعدتُ له واحدة فرشها على جسده. وضعتُ كل واحدة على جسد صاحبها، ثم اقتربت منه، وحدّقت به ثانية. كان ضعيفًا كطفل، عدت إلى مكاني، جلستُ على البلاط، كأني أجلس على قطعة ثلج. كانت ظلفات الشبابيك تثير أصواتًا كالأنين بفعل الريح التي بدت شديدة في هذا الليل الموحش، إذ يمتزج حفيف الأشجار بنباح الكلاب. حاولت أن أستجمع جسدي، وأقلصه علّه يسيطر على قوة البرد، ويقاومها، بينما عيناي مكبلتان بالنعاس، وجسدي بالإعياء، ولكن إحساسي بالخوف والحذر منعاني من النوم، ويبدو أن إغفاءة قصيرة، أخذتني، إذ أحسستُ بوجود شخص ما يقف جنبي، حدقت به، وجدتهُ هو، ذلك الرجل الذي سرق البطانيات ولم أستطع تحريك جسدي، وهو يقف هكذا فوق رأسي، فكرتُ بأنه جاء لينازلني الثأر، كانت عيناه يتطاير منهما الشرر. ندمت على فعلتي معه. كان يجب أن أعامله باللين، ولا أقسو عليه كل تلك القسوة، فلربما سيشرع بضربي بشيء يحملهُ في يده، ازدادت حدَّة نظراته، حاولت أن أقول له شيئًا، لكني كتمتُ ضعفي أمامهُ، وهو يواصل التحديق بي هكذا، كمن ينتظر حركة ما ليسدد ضربة قاضية إلى خصمه الراقد بفعل النزال على الأرض، ولشدة ما استغربت حين وجدته يضحك ثم تتسع ضحكته إلى قهقهة عالية ويقول: هل تخرج للنزهة..؟

وجدتُ أن ذلك مخرج أتخلص به من قسوته، فلانتَ تقاسيم وجهي، نهضت معه قلت: - لابأس..

سحبني من يدي برفق إلى خارج الردهة، وأخذ يسير بي في الفناء، وحين صرنا على مقربة من الباب الرئيسي قال:

-لقد تذكرتُ أنهم يغلقون الأبواب في الليل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت