فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 72

-صحيح ، كيف نسينا ذلك، لنعد إلى الردهة.

-لنتمشى في الفناء.

أخذنا نسير ببطئ، ويده تمسك بيدي، وما إن وصلنا إلى نهاية الممشى المستطيل، حتى عاد إلى بدايته، قلت في نفسي، أما يكفيه كل هذه الدوران، فقد تعب جسدي، وغدوت كحصان ناعور هرم، ولم أعثر على مايعيق استمراره قلت له:

-لنعد إلى الردهة فالبرد شديد ...!

قال: - كيف إنه الربيع.

قلت محاولًا الابتسام أمامه:

-لكنه ربيع بارد، أشعر أن أطرافي تتجمد.

قال: - لابأس لندخل.

راح يسير بهدوء إلى سريره، بينما قرفصت قرب سرير والدي، لاحظت أن أنفاسه تتلاحق، كان جسدي منهكًا، كأني ركضت مسافة طويلة جدًا، اشتد البرد، أصابتني رجفة، لم أشهدها من قبل. إذ تجمع كل برد الجبال في عظامي، وأخذ ينهشها، كيف غامرتُ بذلك؟ قلت في نفسي، وشعرتُ أن بيني وبين الدفء أميال طويلة، محفوفة بالصقيع، والثلج والأسوار، وأن الوصول إليها، متعذر بهاتين الساقين الكليلتين، أحس بأنني أفتقد السيطرة عليهما، فكرت بالاندساس مع أبي في الفراش وأتدثر ببطانيته، غير أني طردت الفكرة من رأسي خوفًا من يقظته، وهو المرتاح الآن، بعد رحلة طويلة من الشقاء.. طأطأت وكورت جسدي على بعضه، محاولة مني توفير قسطٍ من الدفء الوهمي، تذكرتُ القطارات الليلية ، وكيف كنا نقطع الصحراء داخلها، هكذا، دون غطاء، نتثلج وتتجمد أطرافنا، يملؤها صقيع الصحراء الليلي، وتيارات هوائها، من خلال شبابيك القاطرات المشرعة. تذكرت برد محطة -أور- وعراءها الواسع، وأصوات الذئاب وهي تخترق فضاء الصحراء، ووحشتها وصرير العربات، بينما تأتي الصرخات صرخات النزلاء، مختلطة بعواء الكلاب السائبة بين الأجنحة، كانت الحركة في الخارج ضاجة تصورت العالمين المنفصلين عن بعضهما، هذا القابع داخل الأسوار العالية الملساء، والأجنحة المغلقة على النزلاء، ثم الردهات والأسرّة، ومافيها من حياة، وذلك العالم الضاج بالكثير الملون، والذي انفصلت عنه الآن بحكم الصدفة، هل يتشهى النزلاء، ذلك العالم مثلي..؟ وهل بقيتْ منه قطع متناثرة في رؤوسهم؟ أم أنهم نسوه وإلى الأبد؟! كيف لا يحصل ذلك..؟ وأنا أشعر أن بيني وبين ذلك العالم مسافات لا يمكن اختراقها في وحشة هذا الليل، وأقفال من الصعب معالجتها.. فكرت بالهرب الآن، لكن كيف أستطيع ذلك، وبأية طريقة، وإذا عُثر عليّ. ماذا يكون مصيري؟! وبأي حال سأكون حين أُمسك؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت