فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 72

صحيح أن ماقد يظهر مني خلال تصرفي أو صمتي، يثير الشك، لكني أعتمد حكمة، كون الرجال صناديق, لا يمكن فتح مغاليقها بسهولة، وأمام أي كان. ورغم كل ذلك. فقد كنت بينهم باستمرار رغم أني صامت ومنغلق على نفسي. وما معاناتي إلاّ جزء مما يعانون أو يكابدون، لكن الفرق بيننا في البوح والشكوى، فهم بكاؤون دائمًا ، بينما يثيرهم كتماني هذا الذي مازال يحيطني وينسج صيرورتي، خصوصًا ما آلت إليه حالي، إذ أنهم استمدوا المعلومات من مصدر لا أعرفه، أو قل بالخطأ عرفوا فجاؤوا لائمين فعلتي التي أطلق عليها بعضهم بالشنعاء...! وحسبته من باب فروسية الكلام والمعرفة، وفكرت، ربما اعتبروا وضعي مادة للحديث على موائدهم، حيث تشح الموضوعات في جلساتهم الخاصة والعامة. أما الصمت فهو قاتلهم لأنه السلاح الذي امتلكه أنا ولوحده قلت في نفسي: أنا متأكد أني لم أرتكب جرمًا، أؤاخذ عليه، بل انصعت إلى الحاجة، والضغط، دفاعًا عن جوع وعري الصغار والكبار، لذا فإن الرجل المحسن لم يبخل بإحسانه عليّ، بعد أن راقبني مرارًا، هكذا مفكرًا، غارقًا في الذهول وحساب الأيام وقسوتها، فرثى لحالي. وحين عرض أمامي المشروع الذي يمسك بالحل، لم يجبرني إطلاقًا، بل طلب التفكير فيه، لحظتها دورت كل شيء في رأسي، فليست للرجل مصلحة عندي، فقط لحل أزمتي، ثم إني لا أمتلك سقفًا أو حلية، كي أتركها وديعة عنده مقابل إسعافي بالمال.

فهو لا يمتلك بين يديه شيئًا ماديًا يسحبني بواسطته إلى الإحراج، والخسارة، والشعور بالخوف من السقوط في الهاوية، كما ذكروا وتصوروا، وبأنه نصب لي شباكًا كالصياد الماهر الذي يستدرج الطيور إلى فخاخه بالصبر والأناة والانتظار، قلت له وقتها:

-إني فكرت..

-وماذا قررت...؟!

-لا مانع لدي.

-على بركة الله.

-متى...؟!

-حين تستكمل كل الإجراءات.

-وهل هنالك إجراءات؟!

-وماذا تتوقع..؟! هل أهدر مالي هكذا، وهو تعب السنين..؟!

وجدتُها مسألة معقولة، قلت:

-لابأس بأي إجراءات.

-لا.. إنه إجراء خطي ليس إلاَّ، وهو اعتراف وتأكيد على وجود المال عندك رهينة لقاء شيء أضعه مقابل مالي الذي هو مال أسرتي كما تعلم.

-هكذا. إنه حق. وأنا مستعد.

-فقط يكون ثمة تعهد خطي أمام كاتب العدل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت