فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 72

هذا كل مالامني عليه من كانوا يحيطون بي، وماكانوا يرددونه من ملاحظاتهم لي في الفترة الأخيرة، رغم أني واصلت استخدامه بما تمليهِ شروط الوثيقة، متجنبًا لقائي مع أفراد الأسرة التعليمية، وقضاء أوقات الاستراحة في الصف أو الساحة خوفًا من الدخول في حديث قد يثير أحاسيسي، ويدفعني لاستخدام رأسي لأمور التفكير بالأدب والثقافة والكتابة. كذلك قررت أن أكون كالنائم وأنا أعود إلى البيت، وأن لا أتصل بأحد أو أتبضع من السوق حيث تثيرني أسعار السلع وارتفاعها المذهل. غير أني غدوت بفعل القراءة أيضًا كالبالون الذي تواصل فيه ضخ الهواء، إذ لابد له من التنفيس والتفريغ، فقد ألحت عليّ مفردات قراءاتي وتقليب مشاريعي في الكتابة، وهي حالة اعتدتها طيلة حياتي ، وتوجست من التمادي في الكبت هذا، والذي قد سبب لي مرضًا، حيث سيضيع كل شيء.. أخذت أفكر وأتابع واقرأ خلسة عنه.. متناسيًا ما أملاه عليَّ في الوثيقة. ومما شجعني على ذلك هو أني عندما كنتُ ألتقيه في مكتبه أو في الشارع، أجده مطمئنًا على الأمر، حيث يسأل عن أحوالي، وصحتي وعيالي، فأشكره على اهتمامه هذا. ولما أصبحت مطمئنًا على أنه غير عارف بكل ما أفعل، مخالفًا التعهد معه فقد كسبت الوقت معه فهو لم يظهر أنه عارف بفعل هذه المخالفة، والأيام تتوالى بالعد وتجري كالمياه الساقطة من أعلى، وكثرت بها معرفتي، وزاد ضغطها على دواخلي وأحاسيسي، حتى غدا كل شيء ينذر بالانفجار، وبناء على تصوري بعدم معرفته بخفايا الأمور، قررت البدء في الكتابة التي لاحظ الآخرون بفعل تأثيرها عليّ اصفرار وجهي وجحوظ عيني وشرود ذهني، وذهولي، لكنهم وبسبب معرفتهم بي ذكروا أني وضعتُ نفسي داخل قفص ضيق، فماذا أفعل مما زاد من إصراري على تحطيم كل شيء، وعدم ترك نفسي ترتمي في غير ما أحب، أو أرغب إذ ليس من المعقول أن هذا الرجل يصّر على رأيه ذاك، كذلك فإنه سيبقى على عدم المعرفة مازلت لا أجهر بما أفعل. فقررت الكتابة، وتجاوز كل العقبات، فقد أرقني، ذلك الإحساس طيلة الليالي، ودفع بي إلى حالة القلق والاضطراب الدائم مع أسرتي وتلاميذي في الصف، حيث انقطعت عن لقائه، وتعمدت عدم المرور على مكتبه، مستمرءًا الحالة هذه فزادني ذلك استقرارًا بعودتي إلى عالم أحبه كثيرًا، أفنيتُ عمري لأجله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت