فهرس الكتاب
كان يجب عليّ أن أزيد من جدّية تفكيري، ذلك لأني لم أقدم على فعل كهذا، مستندًا على فراغ، بل كان كل الذي شكل بصيرتي إحساس من يدرك الأشياء ويتنبأ بها، ثم خوفي الشديد منذ القِدم من الأشياء، كم تحزنني الطوابير، والانتظارات وهدر الوقت دونما جدوى. ليس ماينم عن إحساسي بفاجعة الأفعال غير ما أسلطه من نظرات دائمة ومتفحصة للدقائق من الأمور. وكثيرة هي الروايات المتخمة بالانتظارات، ولشد مايعذبني الانتظار، لذلك فقد آليت على نفسي أن لا أسقط في مصيدته. ومازلت داخل مصيدة كبيرة، لذا أدركني إحساس التوجس والحذر والخوف من جديد، وأنا أحمل أوراقي الملفعة بالملف الذي أخذ يتنامى مثل عشب برّي، ويشتد إلى مالا نهاية، مما أكد عندي مثل هذا الشعور، كوني أدخلتُ نفسي في مطب جديد، لا يمكن الفكاك منه، والإفلات من مخالبه، فأنا حرف بين كل هذه الكلمات والسطور والصفحات. زمن انقله في إضبارة . درجة تلو أخرى، قلت لهم: كل الذي أريده هو طمر جثتي التي تنتظر في الخارج، فما عليكم إلاّ إكمال أوراق التصريح بالدفن والترحيل لكنهم لم يكترثوا، أو أني لم أستطع البوح أمامهم بحقيقة إدراكي لمصيري لذا فخطابي إلى نفسي بقي حبيسًا، وأنا أدور من شعبة لأخرى في الدائرة.
أخرج من باب ضيقة نحو أخرى أوسع، أو تلفظي باب واسعة تتسع لعشيرة، كي أدخل أخرى كخرم الإبرة، والنظرات تشيعني وتحاصرني، ثم الأقوال الكامنة في نفوسهم كثيرة، وإن ازداد صراخي أمامهم فإنه يبقى مكبوتًا ماشأنكم بما مقدم أنا عليه ،ربما يضحكون حتى أوضح لهم رغبتي في دفن جثتي بعد تشييعها، أولي رغبة في نقلها من قصيدة إلى أخرى. ربما يستغربون من أمر تشيعي لها لوحدي، لكني استدرك الأمر وأقول لقد ولدت وحدي، وعشت كذلك، أما أمر الدفن فلا يشاركني فيه أحد، فهو كيوم مولدي، وهذه محض رغبة إنهم بالتأكيد لا يرغبون حتى سماع مثل هذا الكلام الذي لا يثير حزنهم عليّ، بقدر مايثير اشمئزازهم من فعل كهذا. لكني بذات الإصرار الذي زاده الانتظار والتجوال داخل أروقة وممرات الدائرة، محدقًا بما يجري أمامي من أمر التلاعب بي، وبمقدراتي، التي وجدت متكئها في حالة الاستسلام هذه، من أجل الحصول على أوراقي كاملة.