فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 72

إذ تداركت سر ارتكابي لمثل هذا الخطأ، فأين هم من تفكيري وحواسي وإحساساتي؟! وأين موقعهم مما يدور في رأسي ومخيلتي، فإذا كانت أوراقي التي بين أيديهم هي إجراءات طبيعية، فأنا أحسها على غير هذه الصورة، فكيف أطرح مثل هذه الأفكار أمام الآخرين الذين اتخذت منهم موقفًا ذاتيًا، لعنت نفسي وأنبتها على فعلة كهذه، وقررت الانتظار، كي لا أُبدد مشاعري وأهدرها، بعدها خرجت من الغرفة، مصفرًا، مرتبكًا، مشيعًا بنظرات الفتيات التي أدفنتني في باطن الأرض وحين ناداني الموظف، تمنيت لو لم تلدني أمي يومًا.. ورحت أدور مثل حصان الناعور، أسلمهم الملف منتظرًا خارجًا.. منتظرًا أن يضيفوا ورقة أو اثنتين إليه، مطيعًا لا أنبس ببنت شفة، مدخرًا أحاسيسي كابتًا تفكيري، إلى أن أكملت كل شي، وحصلت على عبارة: اذهب بها إلى دائرتك الجديدة، إذ انقطعت علاقتك هنا. إذ أجبت داخل نفسي: إن علاقتي بالحياة قد انقطعت، وما أحمله ليس إلاّ شهادة دفن لجثتي، لذا فإني أقصد المقبرة الآن وليس الدائرة، وسرت على عجل، يزاحمني ثقل الملف الذي كبر ونما، وازداد سُمكه، ولا أدري كيف هي سيرتي داخله..؟! وعلى أي نبرة سارت ونضجت المعلومات داخله..؟! ولكن لابأس على أي نحو فكرت، مازلت قد فارقت الحياة إلى الأبد، وحين دخلت إلى الدائرة، أحسست ببؤسي وخيبتي، لقد واجهت اصفرار الموت فجأة..! فكيف استبدلت كل ذلك النعيم الفاره بهذه الجدران التي تثير الغبار نحو تلك المدافن السرية. إنها خريف دائم- كان دوراني بطيئًا هذه المرة كدورانهم، ولم أحصد سوى النظرات المتسائلة، والمخيبة للآمال، والمؤنبة إياي على الإقدام على فعل كهذا، يضع أسئلة وحسابات لا أول ولا آخر لها، استنزاف لما بقي في جيبي من نقود على الأوراق والطوابع، كانوا يحاصرونني بنظراتهم، ويطيل أحدهم تحديقه، لكني لم أبح بأحاسيسي أمامهم، رغم أني توصلت بأفعالهم، إلى أني سأوارى في التراب هنا، وأني ما أقدمت إلاّ على فعل الموت، فهو اختيار صعب الذي أقدمت عليه، لكن كبريائي منعني من العودة عن قرار كهذا لعدة أسباب لا أجد من أبوح له بتفاصيلها، لذا فقد ملأت نفسي بكل الأسرار، معتمدًا على إمكانيتي في أن أقوم بفعل الدفن هذا لوحدي. فلحظة دخولي إلى الدائرة كنت أدرك أنني أحمل بيدي ملغي، وبالأخرى أسند جثتي، كي أنهي كل شيء على عجالة، فلقد درت كثيرًا داخل دائرتي القديمة، وأتعبوني كثيرًا. وهذا جزاء خدمتي عندهم، بحيث ضيعت زهرة شبابي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت