فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 72

في فروع دائرتهم أجد وأعمل، وأصرف كل ما أدخره من خلايا وطاقة، والنتيجة هي التعب والبؤس، فأنا قد وصلت إلى مثواي الأخير بقدمي هاتين، متعبًا مرهقًا، وهم استقبلوني بذات الإهمال والقسوة وفعل الانتظار. كان دورانًا إضافيًا لجثتي، غير أنهم أضافوا لي أيامًا بعد أخرى، كي تنتهي معاملتي، وجثتي قد أحرقتها الشمس بلظاها، مشيعًا، إياهًا من مكان إلى آخر، بعدها قال الموظف بعد أن سلمني بطاقة زرقاء، ثبت فيها تاريخ الدفن الشهري:

-خذ ملفك واتركه في شعبة الملفات من فضلك واحتفظ بالبطاقة هذه.

أخذتها بيد مرتعشة إذ تحولت إلى معلومة داخل فهرست كبير، إنتبه لي الرجل، ناظرًا بعطف أحسسته لأول مرة في هذه الدائرة، قام من مكانه، وقال:

-على مهلك يا أخي، فأنت شاب مازلت، لِمَ كل هذا الوهن..؟!

-من شدة طرق الأيام والسنين على رأسي...!

-هون عليك، هل أساعدك على حمل الملف..؟!

-كلا إنها جثتي ، وأنا كفيل بحملها.

استغرب ، وأنا أخطو ببطء نحو الشعبة، متأكدًا من أنه شيعني بنظرات العطف والاستغراب والشك، وربما تبعني إلى حيث أروم الذهاب، لكن كل الذي فعلته هو الوصول إلى الشعبة على بطء شديد، مسلمًا الملف إلى الموظفة التي تلقفته من يدي، وحين حدقت بوجهي، زاد استغرابها وتمعنها بي. حاولت أن أشكرها، غير أني لم أستطع لكنها قالت:

-مابالك يا أستاذ..؟!

-لاشيء، لا شيء..

-استرح قليلًا.

-كلا إنها ستتعفن، جثتي ستتهرأ كالقماش القديم.

-أي جثة..؟!

-لا تسألي، بل احتفظي بأوراقي، وإن أردتِ قراءتها فتمتعي بها جيدًا، فهي تحوي سيرتي، لقد كتبوها هم، وربما أضافوا إليها مايروق لهم.

-وأنت.. ؟!

-لا شأن لك بي، لقد جئتكم بالخطأ، سأحمل جثتي إلى المقبرة...

-أي مقبرة...؟

-إلى المدفن الصحراوي.

ثم أدرت قامتي، لكني اصطدمت بالموظف الذي راقبني، تجاوزته ، مطلّقًا الدائرة إلى الأبد نحو المدفن.

آذار 1996

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت