فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 72

بالتأكيد سيثيركم مثل هذا العنوان للقصة، التي اتخذت لغة الأرقام، بدلًا من الكلمات، وربما تقولون؛ إن القاص هذا سيجري معنا حسابًا، أو قد يشح في يده المال، مما يضطره إلى طلب الاستدانة، أو إلى مايشبه ذلك، مما يدفعكم إلى رمي قصاصة الورق هذه، وإبعاد كل ماقد تسببه هذه القصة من احتمالات، والانصراف إلى غيرها، لاتجعلنا طرفًا في قضية لا نرغبها، سواء كان ماديًا أو حسيًا أو عاطفيًا. لكني أتعجل مثل هذه المشاعر والمفاجآت كي أضمن قراءة قصتي هذه إلى آخرها. إذ لابد من القول، إن هذا الرقم الذي اتخذته عنوانًا لقصتي، هو رقم المبلغ من المال الذي حصلت عليه كمكافأة على خدمتي بالوظيفة بعد أن أحلت على التقاعد، بخدمة ثلاثين عامًا، وهو ليس مشروعًا للشكوى ومن ثم الاستدانة. فهو قد أرقني كثيراُ منذ استلمته من المصرف، عبر مذكرة، تحولت من اللون الأبيض إلى المانشيت الذي تقاطعت عليه التعليقات والبيانات والحسابات، طولًا وعرضًا، بأخبار مختلفة، آخرها ما أجراه المدقق من وضع علامات الصح على أطراف بعض الأرقام، فاستحقت المصادقة على ضوئها. أدرج المحاسب توقيعه عليها مما سهل للموظفة المختصة أمر تنظيم شيك بالمبلغ، نحو مصرف يقع في طرف المدينة، ولأني لا أستطيع الوصول إليه عبر تأجير باص لوحدي، ولا الانتظار والتحول من واحد إلى آخر، لذا فقد استخدمت قدمي الكليلتين، اللتين أتعبهما العمل في المدارس النائية في شتى أصقاع المياه والأرض، وحين أدركت المصرف، قصدت الموظفة التي تجري وتسهل أمر صرف الشيك، دققت فيها، ثم رفعت رأسها، ولأول مرة أحسست بالإنسانية تتجمع في وجه تلك المرأة التي دفعت بتهانيها وتمنياتها لي بطول العمر والسعادة، لكنها استدركت قائلة:

-ألم تتعجل في الأمر، فسنك يبدو دون ذلك..

ابتسمت، وحمدت الله على نعمته، ثم قلت:

-لا أعتقد، فأنا قد تجاوزت الخمسين، ثم إني استوفيت الخدمة وأكثر، وإني متعب جدًا..

-عندها ابتسمت وذكرت..

-ماشاء الله، أطال الله في عمرك، وتبدأ عملًا آخر يعينك على أمور الحياة الصعبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت