فهرس الكتاب
حاولت مرارًا أن أواصل المتابعة والقراءة، دون استخدام"العوينات"الطبية، بعد أن كسرت عدسات نظاراتي، لكني فشلت. فبالرغم من تواصلي البطيء، إلاّ أني عانيت من عدم التركيز والفهم والاستيعاب، جرّاء وضع الكلمات لصق بعض، إذ اكتشفت أثناء الكتابة، أني كثيرًا ماكتبت كلمات ضمن أخرى، مما أضاع وضوح المعنى، فعيناي تريان الأشياء، وكأنها نائية، ثمة نقاط بعيدة تقترب وتنأى. فحين أحاول الإمساك بها تفر مني، وما أن أضيق من فتحتي عيني، حتى أقربها إلي أكثر. لكن مثل هذه الحالة لا تستمر طويلًا . وبفعل صعوبة إجراء مثل هذا التعديل في النظر، الذي غدا مجهدًا لي تمامًا، قررتُ أن أراجع محلًا لتركيب عدستين، وينتهي الأمر، منتبهًا إلى حقيقة أنه لو استمر الحال هكذا، فسوف أخسر الكثير من الزمن.
كانت قدماي ثقيلتين، وأنا أدّب نحو السوق، وثقلت أكثر لحظة كنت أخطو باتجاه المحل، ومن ثم الدخول إليه، غير أني حمدت الله، إذ وجدتُ أن صاحبه مشغول مع زبائن من النساء. كانت هيئاتهن فارهة فقد بسط عددًا كبيرًا من الإطارات والعوينات الشمسية، وهن يواصلن تقليبها، ووضع بعضها على العينين، مصحوبًا مع ابتسامات وضحكات رقيقة، وهادئة، ترسم أقواسًا للشفاه المؤطرة، بالأحمر الفاقع والمائل إلى الدكنة، بينما يرتفع لحم الوجنتين بشكل يسحر صاحب المحل، فيذوب في ابتساماتهن وغنجهن، وفيما ينبعث من أجسادهن وثيابهن من عطور، وأنا أُقلب نظري في واجهات المحل، والرفوف التي تتكئ عليها الإطارات الجميلة والباهرة، وكم تمنيت أن أقتني أحدها، وأعدل من وسامة وجهي. كنتُ أحدقُ مليًا بالصور التي أظهرت رجالًا ونساءً يرتدون النظارات، ويبدون على هيئات دعائية جميلة وجذابة، أحسنوا تصويرها. فيما كفي تتحسس الإطار الراقد في جيبي، متمنيًا أن تطول زيارة الفتيات هكذا، حيث يبعدن عني حرج الكلام، وغموض ما قد يترتب من ذلك، فالمحل من الأبهة بما يغري بارتفاع الأسعار كالبضائع الأخرى في السوق، غير أني قلت في نفسي، إني لا أرغب باقتناء إطارجديد، بل تركيب عدستين متواضعتين، على إطار قديم، أنا مقتنع أنه يؤدي الغرض المطلوب، سيما وأني قد أكملت الفحص مجانًا في مستوصف مجاور لبيتي، وبذلك أنهيت حلقات مهمة في هذا الأمر.