فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 72

استمر الحال هكذا، وقتًا لا أدري قياسه، غير أني تمنيت لو يطول، بعد أن أنهى الرجل احتياجات الفتيات، وغادرن المحل، تاركات عطرهن يحوم في فضائه، عندما اقتربت منه مؤديًا التحية، بش في وجهي في حين أخرجت الورقة التي تحدد درجة النظر، سلمتها إليه. حدق بها، ثم قال:

-بسيطة، أمامك إطارات كثيرة فاختر لك مايناسبك...

قلت:

-أنا لا أحتاج إلى إطار، فقط إلى عدسات.

قال:

-والإطار..؟

-إني أمتلك إطارًا قديمًا اعتدته.

-لابأس.

أخرجته، ثم وضعته على زجاج العارضة، حدق به، كاتمًا ضحكته، مستبدلًا إياها بابتسامة فاترة، شكلت أقواسًا قصيرة رغم أنه حاول كتمان مشاعره، غير أنه أعاد قراءة مامكتوب على الورقة قال:

-هذا يكلفك سبعة آلاف دينارًا..

-ماذا؟!

-كما قلت سبعة آلاف.

-بدون إطار..؟‍!

-طبعًا هذا هو سعر العدسات اليوم.

-كيف..؟ هذا لا يمكن...!

-إنه سعرها، ونحن لا نأخذ زيادة يا أخي.

-لا .. حاشاك، غير أن هذا المبلغ لايناسبني، إنه يشكل أضعاف مرتبي الشهري..!

-هذا هو واقع الحال.

التقطت الإطار، ثم دسسته في جيب بنطالي، وأخذت الورقة منه شاكرًا له، مقررًا أنا لا أدخل محلًا آخر، وحين واجهت الشارع داهمني شعور غريب، انصعت له على عجل، وهو أمر وضع إطار نظارتي القديم على عيني دونما عدسات، وحسبت ذلك أول الأمر حالة من المزاح مع نفسي، ففعلت، ولحظة ارتكز واستقر الإطار تمامًا، انبهرت من وضوح الرؤيا أمامي، فقد اتخذت الأشياء هيئات مغايرة لما كنت أرى، إذ اتسع الشارع الطويل أكثر. دافعًا البنايات إلى الخلف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت