فهرس الكتاب
وكانت مديات النظر عندي قد تباعدت، فقد اتضحت معالم بعيدة وجديدة، كأني أراها قريبة مني وواضحة، لكن حركة الناس بدت بطيئة، وقسم منهم ظهر زاحفًا بأجسادهم، فالبعض يسير على أربع، يغير من اتجاهه بين لحظة وأخرى، بينما البعض الآخر يتكئ على الأعمدة منهكًا، كليلًا، تتخاطف هيئاتهم السيارات المارقة بسرعة موجعة. كانت الأشياء والأثاث والحاجيات المنزلية مرمية على الأرصفة، والبعص يخلون محالهم ودكاكينهم من بضاعتها، يسارعون للبيع، بلغة ونداءات لا يفهمها المارّة، فيما أصواتهم تبدو متعبة يائسة. رحت أتجول في الشارع الطويل، حتى اقتربت من فم السوق الذي ازداد ضجيجه. الكل يعلن عن بضاعته، بينما الآخرون ينظرون بارتخاء إلى مايجري. يقترب من يمشون على أربعة، يتشممون البضاعة، ثم يغادرون نحو الرصيف الآخر، بينما يختفي البعض منهم وراء عارضات الشارع الآخر.
بدت البنايات أمامي مبعوجة، كما لو أنها قطع صفيح تعرضت للضغط، وإن قامات العمارات قد قصرت لحظتها كنت أتحسس المبلغ الذي يرقد داخل جيبي، خوفًا من أن يُسرق، مفكرًا، كيف سأتصرف به، بعد أن قررت الاستغناء، عن شراء عدسات، والاكتفاء بهذا الحال، لكني فكرت كيف ستكون حالي مع حاجتي للقراءة، إذا ما أضافت اللاعدسات رؤيا بعيدة. الحقيقة شغلني هذا كثيرًا، وقررتُ الوقوف أمام أول مكتبة أصادفها، ورحت أبحث عنها، غير أني فوجئت باختفائها جميعًا فلا أجد سوى عارضات لأحذية وملابس ومواد أخرى، كانت كل هذه البضاعة معروضة بجوار بعض، بحيث يصعب اختراق صفوفها، فقد اندلقت أحشاء المحلات والمخازن وكشفت عن ألوانها البراقة.
وازداد بريق العيون المخذولة، وهي تحدق فيها مرارًا دون جدوى.
كان بحثي عن مكتبة يقلقني بسبب عدم عثوري بسهولة على واحدة منها، حيث كانت منتشرة هنا وهناك، عزمت على أن أبحث في زوايا النفايات عليّ أجد قصاصة لصحيفة أو مجلة أستطيع قراءتها والوقوف على ما أريده منها، غير أني عجزت أيضًا. حاولت السؤال عن المكتبة من المارّة أو الباعة، وفوجئت من بعضهم يعرض عن الإجابة، والبعض الآخر يحدق بي بسخرية، أو يبدي استنكاره، حتى عثرت على أحدهم، فبادرته بالسؤال على عجالة، لأنه كان ساكنًا في مكان قريب مني. قلت:
-هل توجد مكتبة قريبة من هنا..؟
حدق بي مبتسمًا، لكنه كلف نفسه بالإجابة:
-مكتبة...؟!! أي مكتبة يا أخي.. لا أدري...!