فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 72

تركته، بل هو من ابتعد عني، مستغربًا من دهشتي وتفردي عنه، ثم سرت مبتئسًا مفكرًا في الشارع، تستقبلني الشوارع، وأنا أنظر إلى نفس الحالة المحيرة، فالبعض الذي يسير على أربع قد ازداد، لكن الذي بهرني أكثر مالاحظته، ولا أستطيع إخفاءه عنكم، هو منظر الحيوانات كالقطط والكلاب. وهي تسير على اثنتين، وتبدو بهيئات مغايرة لحيوانيتها بسبب الثقة الكاملة بما يجري لها وحولها.

كانت المشاهد تترى، وتزداد حدتها، فيما الشمس آخذة بالاتقاد، حيث تسقط عمودية على رأسي، وأنا أسلم جثتي للأزقة والشوارع والأسواق، مسرّعًَا الخطى هذه المرة، منهزمًا، متفاديًا، ما قد يترتب أمامي من مشاهد تزيد من قلقي وارتباكي، إذا ما ازدادت رؤيتي للأشياء وضوحًا أكثر، وحجم ما أراه أمامي يزداد، وهرولت نحو الشارع العام، ثم أشّرت إلى أول تاكسي، توقف بسرعة، فتحت الباب ورميت جثتي، داخله بجوار السائق، ثم انطلقت السيارة على عجالة، قال السائق:

-إلى أين يا أخي..؟!

-قلت: - إلى المدفن الصحراوي.

فاستغرب.. إذ سأل باندهاش:

-إلى أين... لا أفهم ماتقول...!

-قلت إلى المدفن الصحراوي.

-أنا لا أعرف مكانًا بهذا الاسم اعذرني.

نظرت لكي أطمئنه على ذلك، غير أني انبهرت، كان كلبًا يجلس خلف المقود ويديره بمهارة، اضطرب قلبي أول مرة، وارتعشت قال:

-ماذا أصابك يا أخي، قلت لك لا أعرف مكانًا بهذا الاسم...!

حدقت بالجانب الآخر، ثم أعدت النظر إليه فوجدتُه على نفس الصورة. لكن اضطرابي بدأ يزول تدريجيًا ، قلت في نفسي، لأستقر هكذا، مازلت مغادرًا المدينة العجيبة، قلت مداريًا:

-سأرشدك بنفسي.

قال: - طيب سأوصلك.

-ورحت أشير عليه بالإنعطاف من هنا، ثم من هناك، وأرشده أن يسلك الشوارع الطويلة هذه ، ثم ينعطف من هنا أو هناك، وهو منصاع لي بهدوء دونما ضجر، يقود السيارة على مهل دون اضطراب، مما أتاح لي فرصة الاطمئنان على نفسي، وحين برحنا كل شيء، انكشف لنا الخلاء واضحًا، إلاّ من بضع حقول سرعان ماتلاشت، فأمحلت الأرض واصفرّ وجهها وازدادت وحشتها ويباسها، وهو يقود على مهل وأناة، وأنا أستقر على مقعدي، مدورًا كل ماشاهدت، مهدئًا من الطنين الذي تركته في رأسي مشاهداتي تلك، وحين أدركنا المكان طلبت منه التوقف قائلًا:

-على مهلك، هاهو المدخل إلى المدفن الصحراوي..

-طيب، الحقيقة أني أصله لأول مرة، إنه بعيد عن المدينة كثيرًا، استغرق منا الطريق وقتًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت