فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 72

-لا يهم، سأمنحك نقودي، كل نقودي فأنا لا أحتاج إليها بعد

ثم دسست كفي في جيبي، ضممت كل ما أمتلكه من ثمن العدسات، كورتها في داخل كفي، ثم سلمتها إليه، فانبهر من مشاهدتها، وأراد أن يعترض، غير أني قلت:

-لا... إنها لك، لكن احفظ المكان فقد يطلب منك أحدهم إيصاله إليه.

نظر لي بامتعاض، كان كلبًا حقيقيًا وراء المقود، وقبل أن يتحرك بسيارته أدركت، إذ رفعت الإطار من على عيني، وسلمته له، وضعته على المقعد الذي كنتُ أحتله قبل لحظات قائلًا:

-خذه ، قد يفيدك في رؤية الأشياء على حقيقتها.

حينها شكرني، ولم يعترض ، بل غادرني مسرعًا، فتذكرت أني رأيته بهيئة آدمية تمامًا، يجلس خلف المقود، فارقني مبتعدًا، ووليت وجهي نحو المدفن الصحراوي، كنت أجري على أربع.. وكم حاولت أن أصحح من مسيرتي، لكني عجزتُ، ولحظة اقترابي من بدء المدفن، سقطت على بطني منهكًا، وأخذتُ أزحفُ على أرض ذات نتوءات صخرية حادة، مما أدى إلى تهرئ ملابسي وتقطع قماش قميصي، كاشفًا عن صدري وبطني، وأنا أزحف، وأزحف. والنتوءات تتوغل في لحمي وتحدث خدوشًا دامية وغائرة، بعدها تحسست منطقة رملية ناعمة أدركتها، مواصلًا الزحف، حيث أخذت ذرات الرمل تندس داخل الجروح كالملح، وأنا أزحف وأتلظى، أزحف وأتلوى، محدقًا بعينين فارغتين تمامًا، نحو فضاء أصفر.

نيسان 1996.

ماحدث في المدينة

بعد جهد طويل، تم حصولي على عمل. ولحظة أشار أحدهم إلى مكان شاغر في مدينة الالعاب بالإمكان إشغاله من قبلي. فرحت أيما فرح، ليس فقط بسبب البطالة وقهرها، وثقل زمنها الرصاصي الذي ينسكب كالنار في كل خلية تنبض في جسدي، بل ترتب هذا الأمر على صورة أصبحت حاجزًا ، وقطيعة مرّة، بين الحياة وبيني. أية مرارة حصدتها جرّاء ذلك الجدار الذي انتصب أمامي؟! بل مجموعة من الجدران ذات الألوان المتباينة، والمتداخلة بعضها مع بعضها. كأنها تصب في ذات اللون الأسود. لها حركة من ألوان متموجة، قاتمة، استطاعت أن تذل كبريائي، في زمن يصعب العيش في دائرته بكرامة تامة، غير أني استطعت أن أتماسك معلنًا لنفسي، ماترسب وبقي عندي من أفكار أعانتني على الوقوف. وهي بمثابة الترسبات المتبقية في قاع الذاكرة. فكثير من الأصدقاء والمعارف أكدوا في مجالسهم تعطيل هذا الجانب الأخلاقي، ووضعه على الرف، ثم الدخول إلى معترك الحياة بلغة وهيئة أخرى مغايرة ومناسبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت