فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 72

كان إصرارهم على حقيقة توصلوا إليها، وهي: إما أن تسحقك العجلة لامحالة، أو تمنح نفسك مثل هذه التنازلات. يومها كنت متمسكًا بقيم أعتقدها ومازلت أصيلة في نفسي، وجديرة بأن تكون منارًا للدرب، وكم استغرب أحد الأصدقاء، حيث أخبرته بمشاريعي لقهر العوز.. وبأن تأجيل بعض الممارسات بات ضروريًا عندها استغرب وأخذ يلومني وقال:

-لقد كان كلامك على غير هذا تمامًا.. !

-الأيام يا أخي قد تراكمت ثقيلة...!

-والقيم التي عرفتها عندك..؟!

-كلا، إنها باقية، أنا لا ألغيها، بل من الممكن الموازنة بين هذا وذاك.

لحظتها، أخذ يحدق بي باندهاش، ربما وضعني بين الخسائر الكثيرة التي قتلت الآخرين.

هكذا وجدتُ نفسي محاصرًا بين إلحاح زوجي، وحاجة أطفالي وأولادي، يومها هبطت من عليائي، من غرفتي العلوية، وسويت أمر كتبي ومصادري، ورفوفي المعاتبة، نحو شارع يضج بالأصوات غير المتناغمة، ولا أخفيكم سرًا، أني حال دخولي إلى هذا الأتون شعرت كما لو أني كطفل يبدأ المشي، وينهض ثم يسقط- بعدها يسير الهوينا، ويسقط. كانت ثمة غصة تحتبس داخل قعر، لا أدري قراره ومكمنه في داخلي..و كم راودني اليأس والعجز، حيث يصعب العثور على عمل.. لكن لحظة سماعي بخبر عمل كهذا، سارعت إلى المدينة، محتفظًا بالورقة التي زودني بها أحدهم، كانت لحظات مليئة بالنجاح، والسهولة، فما أن دخلت إلى غرفة المدير المبرّدة، حتى استقبلني الرجل بكل احترام. وما إن أعطيته الورقة، وعرف سبب حضوري حتى زاد من احتفائه بي، مرددًا استعداده لمساعدتي، مؤكدًا وجود شاغر فعلًا، أستطيع العمل به. ومن يومها بدأت لحظات مازال مذاقها في فمي، مثلما بقي طعم الشاي على لساني لساعات، واكتسى جسدي ببرودة مفاجئة، وهو يواصل إنجاز أعماله الكتابية والحسابية، حيث لاحظته، يدير حاسبة يدوية بأصابعه.. التفت لي، قال:

-العمل هنا يمتاز بالسهولة، وكما ترى نحن نستقبل أنواعًا من الناس، أطفالًا، وطالبي حاجة للراحة خاصة في المناسبات، إذ يزداد ازدحام الزائرين.

-هذا صحيح.

-لذا فالأمر يتطلب استعدادات مضاعفة، خصوصًا الاستعداد النفسي والصبر عندالعاملين.

-هذا مؤكد، فالمكان يختلف عن كل مرافق الحياة، لما يتميز به من نمط إنساني.

حدّق بي مليًا، وتغيرت سحنة وجهه، إذ بدت أكثر، توردًا، قال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت