فهرس الكتاب
وحدة القصيدة في عيار الشعر
لا يزال مفهوم وحدة القصيدة محل أخذ ورد من الأدباء والنقاد , حيث فُسِّر تارة بوحدة الموضوع , وأخرى بوحدة الصياغة , والبناء التركيبي , وثالثة بالوحدة العضوية , والمعروف أن كل نص له موضوع واحد , وغرض واحد , وإن تعددت الأفكار بداخله , وتنوعت التراكيب والصور فيه , والذي يراجع الشعر القديم - وهو المتهم بخلوه من الوحدة - يجد الترابط الشديد بين أفكاره , والتي تبدو للوهلة الأولى متنافرة , أو على الأقل لا صلة بينها.
ومن أوائل من أشار إلى هذه الوحدة ابن طباطبا في عيار الشعر , حيث يقول:(وأحسن الشعر ما ينتظم فيه القول انتظاما يتسق به أوله مع آخره , على ما ينسقه قائله , فإن قدم بيتا على بيت دخله الخلل , كما يدخل الرسائل والخطب إذا نقض تأليفها , فإن الشعر إذا أسس تأسيس فصول الرسائل القائمة بأنفسها, وكلمات الحكمة المستقلة بذاتها, والأمثال السائرة الموسومة باختصارها لم يحسن نظمه.
بل يجب أن تكون القصيدة كلها ككلمة واحدة في اشتباه أولها بآخرها نسجا وحسنا وفصاحة وجزالة ألفاظ , ودقة معان وصواب تأليف , ويكون خروج الشاعر من كل معنى يضعه إلى غيره من المعاني خروجا لطيفا , حتى تخرج القصيدة كأنها مفرغة إفراغا , لا تناقض في معانيها , ولا وهن في مبانيها , ولا تكلف في نسجها) [1]
بهذا الوضوح , وهذا التفصيل يتبين حضور مفهوم الوحدة العضوية في فكر ابن طباطبا , لأن القصيدة عنده قائمة على النظم والتأليف , واقتضاء كل كلمة ما بعدها , ورفض الحشو الذي يفصل بين الأجزاء , ويرى بعضهم أن الوحدة عنده (وحدة منطقية ... واهتمام بالمعنى , وبتوالي الأفكار , وانبثاق كل فكرة من سابقتها , وابن طباطبا في كل ذلك يتفقد الشطور , ويرتبها ترتيبا منطقيا أكثرمما هو شعري
(1) = عيار الشعر / 129