الصفحة 84 من 103

ولم يبق إلا الصدق في الصورة , أو صدق التشبيه , وهو أن تكثر مواطن الالتقاء بين المشبه , والمشبه به , ويقصد ابن طباطبا من وراء ذلك أيضا إلى مطابقة الكلام لمقتضى الحال , يقول: (فعلى الشاعر أن يتعمد الصدق , والوفق , في تشبيهاته , وحكاياته , ويحضر لبه عند كل مخاطبة ووصف) [1]

فما معنى هذا؟

إنه لم يترك القارئ ليخترع , بل فسر كلامه قائلا: (فيخاطب الملوك بما يستحقونه , من جليل المخاطبات ... كما يتوقى أن يرفع العامة إلى درجات الملوك , ويُعدّ لكل معنى ما يليق به , ولكل طبقة ما يشاكلها , حتى تكون الاستفادة من قوله في وضعه الكلام مواضعه أكثر من الاستفادة من قوله: في تحسين نسجه , وإبداع نظمه) [2]

هذا هو مفهوم صدق التشبيه عنده, وهو أن يعد لكل معنى ما يليق به من الألفاظ.

إن كتاب عيار الشعر حين استخدم مصطلح (الصدق) إنما أراد: مطابقة الكلام لمقتضى الحال , وجميع المعاني التي دار حولها هذا المصطلح في عيار الشعر تعود إلى هذا المعنى , وهذا صنيع العرب الذي ينبغي أن يحتذى.

إن الصدق منهج في القول , وطريقة في التعبير , وسنة اتبعتها العرب , وينبغي أن تحتذى , وكلما طابق الكلام مقتضى الحال كلما تحقق فيه الصدق , وانظر إلى تحليل ابن طباطبا لبيت امرئ القيس , والذي فيه:

نظرت إليها والنجوم كأنها .... مصابيح رهبان تشب لقفال

حيث النجوم تظل زاهرة طوال الليل تماما مثل مصابيح الرهبان الذين يتعهدونا بالزيت حتى تبقى مضيئة طوال الليل , يقول: (تشب لقفال , لأن أحياء العرب بالبادية إذا قفلت إلى مواضعها التي تأوي إليها من مصيف إلى مشتى , ومن مشتى إلى مربع , أوقدت نيرانا على قدر كثرة منازلها , وقلتها , ليُهتدي بها.

(1) = عيار الشعر / 35

(2) = عيار الشعر 12

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت