الصفحة 87 من 103

تلك هي اللبنة الأولي عند ابن طباطبا، وقد مثّل لها بأخذ أبي نواس من الأحوص [1] : حيث قال:

وإن جرت الألفاظ منا بمدحه ... لغيرك إنسانًا فأنت الذي نعني.

حيث أخذه من الأحوص في قوله:

متي ما أقل في آخر الدهر مدحة ... فما هي ألا لابن ليلي المكرم. [2]

ثم بنى على ذلك بناء شامخًا , واستل من الفكرة الصغيرة فكرة أكبر , وفعل ما يفعله العلماء حين يقعون على الجوهر الثمين.

لاحظ معي هذا التدرج والنمو في الفكرة , فالبداية أن يأخذ الشاعر معني من شاعر آخر , ويلبسه كسوة جديدة , ثم تنمو الفكرة، بحيث ينقل الشاعر المعنى من غرض إلي غرض، أي: من مدح إلي هجاء أو العكس.

ثم تنمو الفكرة فينقل الشاعر المعاني من جنس إلي جنس بحيث (يستعمل الشاعر المعاني المأخوذة في غير الجنس الذي تناولها منه) [3] أي: من النثر الي الشعر, أو العكس.

ثم تنمو فيستعمل المعني الموجود في وصف إنسان ويستخدمه في وصف فرس أو غيره، ... وهكذا تنفتح الأبواب أمام الرجل بابًا بعد باب , والأصل واحد , وهو فكرة النقل.

وهذه الفكرة غائبة عن كثير من أهل اللغة والأدب مع أنها حاضرة في عقل القدماء كابن طباطبا ومن هم في طبقته، ونستطيع جميعًا أن نزيد فيها لأن أبوابها أوسع من أن تغلق، ولو أَخَذَت حظها من الإهتمام لظهر من ورائها الأعاجيب.

وتستطيع أن تتخيل هذا حين تنقل علوم القرآن الي عالم الشعر , ويُدرس الشعر من خلال أسباب الانشاد، والوقف والابتداء، وما وقع في الشعر من لغات ولهجات , والناسخ والمنسوخ من الشعر , وعلم إنشاد الشعر , وأسرار ترتيب القصائد عند شاعر واحد , أو في موضوع واحد، ومعجم المعاني الشعرية , وعادات العرب من خلال شعرهم الي آخره.

(1) = الأحوص الأنصاري105 هـ / ? - 723 م عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عاصم الأنصاري. من بني ضبيعة، لقب بالأحوص لضيق في عينه، شاعر إسلامي أموي هجّاء، صافي الديباجة، من طبقة جميل بن معمر ونصيب، وكان معاصرًا لجرير والفرزدق.

(2) =عيار الشعر / 79

(3) عيار الشعر / 80

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت