فهرس الكتاب
هذه الابواب التي لو طرقت لكان من ورائها علم غزير , وهي في الأصل قائمة علي فكرة النقل واستعارة المعاني، ودعني أعود بك الي موضوع السرقات.
ينظر ابن طباطبا إلى السرقات على أنها صنعة , وإعادة صياغة , وهوأمر شائع بين الشعراء , حيث كانوا يأخذون من بعضهم ,ولا ينكر أحدهم على الآخر , وابن المعتز يذكر في طبقات الشعراء أن(أبا الشيص [1] اجتمع مع مسلم بن الوليد , وأبي فراس - الفرزدق - , ودعبل [2] , وأنشدهم أبو الشيص أبياتا قال فيها:
وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي ... متأخر عنه ولا متقدم
أجد الملامة في هواك لذيذة ... ... ... حبا لذكرك فليمني اللوم
وأهنتني فأهنت نفسي جاهدا ... مامَن يهون عليك ممَّن يُكرمُ
أشبهت أعدائي فصرت أحبهم ... إذ كان حظي منك حظي منهم
قال أبو نواس: أحسنت والله , وملحت , ولتعلمن أني سآخذ منك هذا المعنى فيشتهر ما أقول , ولا يشتهر ما قلت , فأخذه وضمنه قوله في الخصيب:
فما جازه جود , وما حل دونه ... ولكن يصير الجود حيث يصير
فصار هذا لأبي نواس , ولم يسر بيت أبي الشيص , إلا دون ذلك) [3]
لأنه تصرف في المعنى , وزاد فيه , ووضع بصمته وخاتمه عليه , والمعنى هنا عام , لا يقال فيه: سرق , فإذا كان المعنى عاما , وقيل فيه شيئ , ثم جاء آخر فأجاد تصويره , وأخرجه في ثياب أزهى وأبهى , فلا يعاب , بل يمتدح بقدر ما أحسن من صنعة , وقد ذكر الشيخ أبو موسى - أعزه الله - بيتي بشر بن أبي حازم [4] :
إذا مالمكرمات رفعن يوما .. وقصر مبتغوها عن مداها
وضاقت أذرع المثرين عنها ... سما أوس إليها فاحتواها
(1) = أ بو الشيص الخزاعي - 196 هـ / 747 - 811 م محمد بن علي بن عبد الله بن رزين بن سليمان بن تميم الخزاعي.
شاعر مطبوع، سريع الخاطر رقيق الألفاظ. من أهل الكوفة غلبه على الشهرة معاصراه صريع الغواني وأبو النواس. وانقطع إلى أمير الرقة عقبة بن جعفر الخزاعي فأغناه عقبة عن سواه. ولقبه أبو الشيص ويقال للنخلة إذا لم يكن لها نوى وذلك رديء مذموم. وهو ابن عم دعبل الخزاعي، عمي في آخر عمره قتله خادم لعقبة في الرقة.
(2) = دعبل الخزاعي148 - 246 هـ / 765 - 860 مدعبل بن علي بن رزين الخزاعي، أبو علي. شاعر هجّاء، أصله من الكوفة، أقام ببغداد. في شعره جودة، كان صديق البحتري وصنّف كتابًا في طبقات الشعراء.
(3) - طبقات الشعراء ص 19
(4) = بشر بن أبي حازم من بني أسد بن خزيمة