الصفحة 89 من 103

وأخذ الشماخ [1] المعنى فقال:

إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين

وذكر الشيخ صنيع الشماخ , وموطن تفوقه , مع أن بيتي بشر من الحسن بمكان إلا أن صنعة الشماخ , وإيجازه وتلطفه كان له الأثر في اشتهار بيته [2]

وللشعراء لطائف في أخذهم , وبدائع في مداخلاتهم , كأن يسمع المعنى , فيأتي لك بما يشبهه , وكأنه غيره , كما فعل المتنبي بقول القائل:

لقد زادني حبا لنفسي أنني .... بغيض إلى كل امرئ غير طائل [3]

فقال:

وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني كامل

فترى المعنى , وقد اكتسى من الألفاظ ما أخرجه عن ظاهر المعنى الأول , وكأنه شيء آخر , ومعنى آخر.

المهم أن هناك لطف وصنعة في الأخذ والاستعارة , ولا بد للاحق أن يأخذ من السابق , شريطة البعد عن الألفاظ , ولا يعد الناقد (من جهابذة الكلام , ولا من نقاد الشعر حتى يميز بين أصنافه , وأقسامه , ويحيط علما برتبه ومنازله , فيفصل بين السرق والغصب , وبين الإغارة والاختلاس , ويعرف الإلمام من الملاحظة , ويفرق بين المشترك الذي لا يجوز ادعاء السرقة فيه , والمبتزل الذي ليس واحد أحق به من الآخر , وبين المختص الذي حازه المبتدئ فملكه واجتباه السابق فاقتطعه.) [4]

(1) = الشماخ الذبياني? - 22 هـ / ? - 642 م الشماخ بن ضرار بن حرملة بن سنان المازني الذبياني الغطفاني. شاعر مخضرم، أدرك الجاهلية والإسلام، وهو من طبقة لبيد والنابغة. كان شديد متون الشعر، ولبيد أسهل منه منطقًا، وكان أرجز الناس على البديهة. جمع بعض شعره في ديوان. شهد القادسية، وتوفي في غزوة موقان. وأخباره كثيرة. قال البغدادي وآخرون: اسمه معقل بن ضرار، والشماخ لقبه.

(2) = تقريب منهاج البلغاء لحازم للدكتور أبي موسى / 142 - وهبة 2006 م والقصة عند ابن سنان في سر الفصاحة / 75

(3) = والبيت للطرماح بن حكيم الطائي انظر شرح ديوان الحماسة لمرزوقي 1/ 72

(4) = العمدة في محاسن الشعر وآدابه لابن رشيق 1/ 206

والسرق في الشعر مانقل معناه دون لفظه، وأبعد في أخذه ,

والإغارة: أن يصنع الشعر بيتًا ويخترع معنى مليحًا فيتناوله من هو أعظم منه ذكرًا وأبعد صوتًا، فيروى له دون قائله،

وأما الغصب فمثل صنيعه بالشردل اليربوعي، وقد أنشد في محفل:

فما بين من لم يعط سمعًا وطاعةً ... وبين تميم غير حز الحلاقم

فقال الفرزدق: والله لتدعنه أو لتدعن عرضك، فقال: خذه لا بارك الله لك فيه.

أما الاختلاس فهو تحويل المعنى من نسيب إلى مديح , ويسمى أيضًا نقل المعنى

والإلمام: أن يتساوى المعنيان دون اللفظ وخفي الأخذ وقيل إن ذلك هو النظر والملاحظة، وكذلك إن تضادا ودل أحدهما على الآخر،

وانظر في كل ذلك كتاب العمدة لابن رشيق 1/ 207

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت