فهرس الكتاب
ويؤكد ابن طباطبا علي الحيلة، والتخفي، والتلبيس علي السامع حتي لا يتبين الأخذ، كأن ينقل المعني المأخوذ من جنس النثر إلي جنس الشعر، أو العكس وهذا الفكر يعطي رخصة للشعراء في أخذ المعاني من غيرهم، بل إنه يدفعهم إلي ذلك، ولاعجب فالرجل مهموم بمناهج الأقدمين، والسير علي طريقهم في كل شئ عدا ماعيب عليهم منه.
ومادام ابن طباطبا يدفع الشعراء إلي سلوك سبيل السابقين فعليه أن يبين لهم طرائق الأخذ، ووسائل التلطف في الاستعارة حتي لا يري أحد السرقة، ويري لسان الشعراء المحدثين كأنه لسان الفحول السابقين، ومن هنا يتعود اللسان
الحديث علي الجيد الفصيح، وينطبع الذوق بطابع الشعر الأول، حتى يصيرالأمر
كأنه إشتراك في المعاني بين الشاعرين.
ثم يعلل ابن طباطبا هذا المذهب بأن أشعار الشعراء كلها متناسبة أي قريبة بعضها من بعض، بل (إن شعر الشعراء قريب من كلام الخطباء، وخطب البلغاء، وفقر الحكماء) [1]
وكأنه هنا يتحدث عن الشعر الذي يحمل المعاني الأخلاقية، أو شعر المناسبات، فما دام الشعر قريبًا من الخطب والحكم فلا عجب أن يأخذ الكل من الكل، ولا يعد هذا إلا من قبيل المعاني المشتركة، والفضل ساعتها لمن أتقن الصياغة، وأحسن السبك، وأجاد النظم، وأبدع الوشي .... إلخ.
ثم انطلق ابن طباطبا إلي الشواهد، وهي كثيرة ليؤكد بها هذا المذهب، وهي تدور حول أمرين مهمين:
الأول: أن المعاني في الحكم المنثورة والشعر المنظوم متناسبة قريبة، وعليه فلا مانع من الاخذ.
والآخر: أن الأخذ والتلطف قد يمتد إلي ماهو أبعد من ذلك كأن تأخذ المعني من العجم وتصوغه شعرًا عربيًا، والحكمة ضالة المؤمن.
ففي الأمر الأول ذكر أن عطاء ابن أبي صيفي الثقفي دخل علي يزيد ابن معاوية فعزّاه عن أبيه وهنأه بالخلافة، وهو أول من عزّي وهنأ في مقام واحد، فقال: (
(1) = عيار الشعر ص 81