فهرس الكتاب
أصبحتَ رزيت خليفة الله، وأعطيت خلافة الله، قضي معاوية نحبه فيغفر الله ذنبه، ووليت الرياسة وكنت أحق بالسياسة، فاشكر الله علي عظيم العطية، واحتسب عند الله جليل الرزية، وأعظم الله في معاوية أجرك، وأجزل علي الخلافة عونك.
فأخذه أبو دلامة [1] فقال يرثي المنصور ويمدح المهدي:
عيناي واحدة تري مسرورة ... بإمامها جزلي وأخري تزرف
تبكي وتضحك تارة، يسوؤها ... ما أنكرت، ويسرها ما تعرف
فيسوؤها موت الخليفة أولًا ... ويسرها أن قام هذا الأرأف
ما إن سمعت ولا رأيت كما أري ... شعرًا أرجله وآخر أنتف
هلك الخليفة يال أمة أحمد ... وأتاكم من بعده من يخلف
أهدي لهذا الله فضل خلافة ... ولذاك جنات النعيم وزخرف
فابكوا لمصرع خيركم ووليّكم ... واستبشروا بقيام ذا وتشرفوا) [2]
أما الشاهد الثاني فهو ما يتعلق بالحكمة التي تراها عند الناس كافة عربًا وعجمًا ومنها مانقله ابن طباطبا في عيار الشعر عن أرسطو أنه لما مات الأسكندر قال: (لطالما كان هذا الشخص واعظًا بليغًا، وما وعظ بكلامه موعظة قط أبلغ من وعظه بسكوته
فأخذه صالح ابن عبد القدوس [3] وقال فيه شعرًا:
وينادونه وقد صم عنهم ... ثم قالوا وللنساء نحيب
من الذي عاق أن ترد جوابًا ... أيها المقول الألد الخطيب
إن تكن لا تطيق رجع جواب ... فيما قد تري وأنت خطيب
ذو عظات وما وعظت بشئ ... مثل وعظ السكوت إذ لا تجيب
(1) = أبو دُلامَة? - 161 هـ / ? - 777 مزند بن الجون الأسدي. شاعر مطبوع من أهل الظرف والدعابة، أسود اللون، جسيم وسيم كان أبوه عبدًا لرجل من أسد وأعتقه. نشأ في الكوفة واتصل بالخلفاء من بني العباس، فكانوا يستلطفونه ويغدِقون عليه صِلاتِهم، وله في بعضهم مدائح.
(2) = عيار الشعر ص 80
(3) = صالح بن عبد القدوس- 160 هـ / ? - 776 وهوبن عبد الله بن عبد القدوس الأزدي الجذامي، أبو الفضل. شاعر حكيم، كان متكلمًا يعظ الناس في البصرة، له مع أبي الهذيل العلاف مناظرات، وشعره كله أمثال وحكم وآداب، اتهم عند المهدي العباسي بالزندقة، فقتله في بغداد. قال المرتضى: (قيل رؤي ابن عبد القدوس يصلي صلاة تامة الركوع والسجود، فقيل له ما هذا ومذهبك معروف؟ قال: سنة البلد، وعادة الجسد، وسلامة الولد!) وعمي في آخر عمره.