فهرس الكتاب
والمعنوية للقصيدة قبل إبداعها لا يكون من شاعر يقرض الشعر من نفسه المفعمة بما يعتلج فيها من الموقف الشعري له إزاء حدث ما من أحداث الحياة.
الشاعر علي ما زعم ابن طباطبا - والكلام لأستاذي - يكون حاله حال عالمٍ او باحث في ضرب من ضروب العرفان أريد منه أن يلقي بحثًا، أو محاضرة في الناس، ولا أحسب أبدًا أن أحدًا يقول: إن حال الشاعر في فرض القصيدة من ذوب نفسه الشاعرة بما لايشعر به غيره، وحال العالم في إعداد بحثه سواء، لا يقولها أحد يُعتدّ بقوله) [1]
وحقيقة فإني أقرأ كلام ابن طباطبا من زاوية أخري تغاير الزاوية التي قرأ من خلالها أستاذي كلامه.
فابن طباطبا - وهو الشاعر المبدع الذي استشهد بشعره القاصي والداني ومنهم الإمام عبد القاهر في أكثر من موضع [2] - كان يتحدث عن التهيئة النفسية واستنفار الشعور، وإثارة العقل مع القلب , واستحضار الملكات التي توائم الغرض.
ولا شك أن لكل نص سياقه ومقامه , وحين تُستنفر الملكات النفسية والذهنية تستدعي من مخزونها ما يتوافق مع المقام الذي يولد فيه النص، فهل القصيدة التي تقال في الغزل مثلًا تستدعي ملكات النفس والشعور الذي يُستدعي حين تقال قصيدة في الحرب؟
وهل المشاعر التي يهيجها الأديب ويستحثها في مقام الهجاء هي المشاعر التي تهيج في مقام المدح؟
هذا مايريده ابن طباطبا ,إنه استدعاء للمخزون اللفظي عند استجاشة المشاعر لتنساب منه الألفاظ والجمل والتراكيب , تعبيرا عن تلك المشاعر التي ثارت في نفسه , ولا يقصد أبدًا - كما أفهم - أن يأتي الشاعر بقلم وأوراق ثم يكتب جملًا ومفردات وأوزان وقوافي ثم يصنع من كل ذلك قصيدة - هذا إن بَعُدَ عن فكر قارئ الشعر فهو عن الشعراء أبعد.
(1) = قطرات الندي ص 122
(2) = أنظر أسرار البلاغة صفحات (80 - 81 - 87)