فهرس الكتاب

الصفحة 113 من 186

ولا يتسع المجال للتعرض لصور التفريط في سلوك هؤلاء القوم ، وبيان الموقف الصحيح منها ، ولكنى أخصُّ بالذكر مظهرين يسئ الكثيرون الفهم فيهما ، وهما:

-?العلاقة بين العزائم والرخص في حياة الدعاة .

-?الفرق بين ما اتفق عليه العلماء وما اختلفوا فيه .

ففيما يتعلق بالأمر الأول نرى كثيرًا من الناس السالكين طريق الدعوة ينهجون نهج التشديد في فتاواهم ، ويلزمون كافة الناس بما هو أورع وأحوط لدينهم .

ومع عظيم تقديرنا لمن يسلكون هذا المسلك فإن من الواجب مراعاة إمكانات الناس وقدراتهم في التحمل ، فما يحسنه التقىُّ الورع لا يحسنه كل أحد .

فإن تعامل المرء مع الناس على أنهم في القدرة على التحمل سواء ،?فأفتى دائمًا بما هو أشق وأشد ، ورفض ما هو أيسر وأرفق -?تورُّعًا واحتياطًا -?فإن ذلك يؤدى في نهاية الأمر إلى أن تفقد تعاليم الإسلام يُسْرها ، ويحدث في نفوس الناس نفور منها وكراهية لها .

ومن ثمَّ كره سلف الأمة الصالح التزام خط التشديد دائمًا ، مؤكدين على أن العلم الكثير يحمل صاحبه على التيسير لا التعسير .

يقول الإمام الجليل سفيان الثورى: إنما العلم عندنا الرخصة من ثقة ، فأمَّا التشديد فيحسنه كل أحد"صفة الفتوى والمفتى والمستفتى ، ص32 ، ابن حمدان الحرانى ."

وإلى جانب هذا رأينا في سلوك السلف الصالح حرصًا على الورع والتقوى في خاصَّة أنفسهم ، فإذا تعلق الأمر بالناس أجابوا بما فيه الرخصة والتيسير .

ولقد مرّ بك -?أخى الداعية -?فى حديثنا عن الصلة بالله تعالى في معرض الكلام عن الورع قول كل من الإمامين الجليلين: أبى حنيفة ، وسفيان الثورى: لأنْ أخرَّ من السماء أهون علىَّ من أن أفتى بتحريم قليل النبيذ ، وما شربته قط ، ولا أشربه"عمدة القارى - شرح صحيح البخارى ، جـ1 ص334 ، بدر الدين العينى ."

وذكر في ترجمة التابعى الجليل محمد بن سيرين أنه كان أرجى الناس لهذه الأمة ، وأشدهم أزرًا على نفسه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت