فهرس الكتاب
أما الخلاف المنهى عنه فهو ما كان في الأصول والعقائد ، والذى خالف به أصحابه جمهور الأمة وعلماءها ، وانساقوا وراء الأهواء تاركين الأدلة الشرعية وقاموا بتطويعها لتخدم أهواءهم ، وقد تسبب هذا النوع من الخلاف في تشتيت الأمة وتفريق كلمتها .
وفى بيان الفرق بين هذين النوعين من الاختلاف أورد الإمام الشافعى في كتابه الرسالة ) (المرجع المذكور ، جـ3 ص560،561 - طبعة ثانية 1979 - دار التراث ) ، أن رجلًا سأله قائلًا: إنى أجد أهل العلم قديمًا وحديثًا مختلفين في بعض أمورهم ، فهل يسعهم ذلك .
قال: فقلت له: الاختلاف من وجهين ، أحدهما محرم ولا أقول ذلك في الآخر ؛ قال: فما الاختلاف المحرم ؟
قلت: كل ما أقام الله به الحجة في كتابه أو على لسان نبيه منصوصًا بيِّنًا لم يحل الاختلاف فيه لمن علمه ، وما كان من ذلك يحتمل التأويل ويدرك قياسًا ، فذهب المتأول أو القايس إلا أى معنى يحتمله الخبر أو القياس -?وإن خالفه فيه غيره -?لم أقل إنه يضيق عليه ضيق الخلاف في المنصوص .
قال:"فهل في هذا حجة تبين فرقك بين الاختلافين".
قلت: قال الله تعالى في ذم التفرقة: ( وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ ) سورة البينة - الآية 4 ، وقال جل ثناؤه: ( وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ) سورة آل عمران - الآية 105 ، فذم الاختلاف فيما جاءتهم به البيّنات ، فأما ما كلِّفوا فيه الاجتهاد فقد مثَّلْتُه بالقبلة والشهادة وغيرها .