الصفحة 327 من 439

الخامس: تأثر البحرانى بعدد محدد من البلاغيين قبله ، بخلاف ابن سنان الذى كان واسع الإطلاع ، كثير القراءة مما جعله مرجعًا لمن أتى بعده .

... هذه الأمور ـ وغيرها كثير ـ جعلت ابن سنان مستهدفًا من بعض المحدثين والقدامى ، فراحوا يعددون بعض المآخذ عليه .

... وقبل الخوض في مناقشة هذه المآخذ أذكر نصًّا للدكتور محمد أبو موسى يقول فيه:"إذا كان ظاهر كلام العلماء لا يلتئم مع ما استيقن الباحث من أفكار ، فلا يغريه ذلك برَدِّه ، وإنما عليه أن يراجعه ، وأن يفاتشه حتى يجد له مخرجًا غير الظاهر ، والمهم هو تجنب المسارعة إلى رفض الكلام الصادر عن أهل العلم ، وقد خالف كثيرٌ منا هذا الطريق وامتلأت الكتب باستفساد آراء العلماء من غير دراسة ، وبالألفاظ التى تقدح في أفهامهم ، وتصرف عن علومهم ، وهذه الكتب يقرؤها صغار طلاب العلم الذين ليست لديهم الأدوات التى تعينهم على التمييز ، فتصرفهم عن مصادر العلم" [1] .

أولًا: مَآخذُ العلماءِ على ابنِ سنانِ الخفاجىِّ:

... بداية لا مفر من ذكر حقيقة هامة: هى أن ابن سنان الخفاجى كان ناقدًا وشاعرا وبلاغيًّا ، مرهف الحس ، لمّاحًا ذكيًّا ، لا يترك المسألة البلاغية تمر دون أن يستوفيها حقّها بالنقد والشرح والتحليل والتعليل ، يضع نصب عينيه هدفًا ومنهجًا لم يغفل عنه لحظة ، فلم يضطرب ، ولم يضع شيئًا إلا في مكانه الذى يناسبه .

... كان أمينًا ينسب الرأى لصاحبه ، متواضعًا في تعامله مع خصمه ، لا تمر الصفحات إلا ويستعطف قارءه في قبول العذر له ، لم يكن بالمحدّث عن نفسه أو المعلن عن بضاعته ، لم يهج قائلًا أو يتعصب ضد أحد ، ولكنى اقتربت منه فألفيته كريمًا عفًّا نزيهًا ، لا يذكر أحدًا باسمه ، وإنما نجده يقول:"ورأيت أبا الحسن ـ يعنى الرُّمانى ـ ، وألفيت أبا القاسم ـ يعنى الآمدى ـ".

(1) مدخل إلى كتابى عبد القاهر ص 68 ـ مكتبة وهبه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت