الصفحة 328 من 439

... كان على حذر من أن تُظَنّ به الظنون عند نقده لأحد ، من تعمد تجريحه أو التعصب ضده ، فكان يكرر اعتذاره بين آنٍ وآخر ، وهاك نموذجًا واحدًا ، وذلك عند إيراده لشواهد عديدة من قبيح الاستعارات ، يقول معقبًّا على ذلك:

"إننا لم نذكر هذه الأبيات الذميمة وغرضنا الطعن على ناظمها ، وإنما قادتنا الحجة في التمثيل إلى ذكر الجيد والردئ ، والفاسد والصحيح ... ومعاذ الله أن يخرجنا بغض التقليد وحب النظر من الطرف المذموم في الاتباع والانقياد إلى الجانب الآخر في التسرع إلى نقص الفضلاء ، والتفنيد لما لعله اشتبه على بعض العلماء ، والرغبة في الخلاف لهم ، وإيثار الطعن عليهم ، بل نتوسط ـ إن شاء الله ـ بين هاتين المنزلتين ، فننظر في أقوالهم ، ونتأمل المأثور عنهم ، ونسلط عليه صافى الذهن ، ونرهف له ماضى الفكر فما وجدناه موافقًا للبرهان ، وسليمًا على السبر اعترفنا بفضيلة السبق فيه ، وأقررنا لهم بحسن النهج لسبيله ، وما خالف ذلك وباينه اجتهدنا في تأويله وإقامة المعاذير فيه وحملناه على أحسن وجوهه وأجمل سبله ؛ إيجابًا لحقهم الذى لا ينكر ، وإذعانًا لفضلهم الذى لا يجحد" [1] .

... إن هذه العبارات لحرية أن تكتب بماء الذهب ليطلع عليها كل النقاد والبلاغيين .

... ولقد استوقفتنى عبارة ابن سنان السابقة التى يقول فيها:

"... إيجابًا لحقهم الذى لا ينكر ، وإذعانًا لفضلهم الذى لا يُجحد"فمع تواضعه الجم، وعدم تعصبه نلمح فيها اعترافه بمراجعته لمن قبله .

... وليست هذه هى المرة الوحيدة التى يعترف فيها باطلاعه على كتب غيره ، فالكتاب زاخر بأسماء لامعة في النقد والبلاغة .

... ولقد تعمدت ذكر هذه السطور ؛ لأنى أدركت أن ابن سنان كان حينما يتحدث عن الجاحظ أو الآمدى مادحًا ، وكان يذكر مسلمًا أو أبا تمام ناقدًا ، لا تدرك كبير فرق بين تأييده ورفضه واستحسانه ونقده لغيره ، أما غيره فكان يتتبع سقطاته ويشن عليه الحملات .

(1) سر الفصاحة ص 144 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت