الصفحة 336 من 439

... فإذا قدمنا بعض الكلام على بعض فيجب أن يوضع هذا التقديم في موضعه المناسب حتى لا يفسد المعنى ، وإذا خرج الكلام من الحقيقة إلى الاستعارة ، فلابد من وضع هذه الاستعارة في مكانها الملائم لها حتى تكون حسنة وهكذا ...

... ولذا نجده يقسم الاستعارة إلى حسنة قريبة"وضعت في موضعها الملائم لها"، وقبيحة بعيدة"لم توضع في موضعها".

... ولو عاودنا النظر في المسائل البلاغية"التى توضع في مواضعها الملائم لها"؛ لألفينا أن بينها تماسكًا وتلاحمًا يجعلها وكأنها من واد واحد ، وهى نظرة دقيقة من ابن سنان غير مسبوق بها .

... وكان ابن سنان على صواب حينما لم يدرج"التشبيه"مع الاستعارة فى"وضع الألفاظ في مواضعها"؛ وذلك لأن التشبيه ليس في غموض الاستعارة ، ولذا نجده يفسر بُعد الاستعارة بقوله:"والبعيد المطرح يكون لبعده مما استعير له في الأصل" [1]

ويشترط في الاستعارة الحسنة"أن تكون أوضح من الحقيقة" [2] .

... لقد أدرك ابن سنان أن أسلوب الاستعارة أكثر غموضًا من التشبيه ؛ لأنه يعتمد على حذف أحد طرفى التشبيه ـ على الأقل من وجهة نظره ـ مما جعله يدرجها في وضع الألفاظ موضعها حقيقة أو مجازًا .

... وعند دراسة ابن سنان للأوصاف التى تُطلب من المعانى من حيث توجد في الألفاظ المؤلفة أدرك أن من هذه الأوصاف: الصحة ، والكمال ، والمبالغة ، والتحرز مما يوجب الطعن ، ومن الصحة"صحة التشبيه"، و"صحة التفسير ، و"صحة التقسيم"."

... فمنهج ابن سنان يعنى وضع الألفاظ موضعها في الاستعارة ؛ حتى لا تغمض وتبعد فتصبح قبيحة .

... وصحة المعنى في التشبيه ، ولذا كان يعقب على الشواهد بقوله:"فيكون حسن هذا لأجل إيضاح المعنى وبيان المراد" [3] .

... بتعبير آخر:

لما كانت الاستعارة لا تتحقق إلا بحذف أحد طرفى التشبيه كان لابد أن توضع الألفاظ في الاستعارة موضعها حتى لا تبعد .

(1) سر الفصاحة ص 120 .

(2) المصدر السابق ص 118 .

(3) سر الفصاحة ص 246 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت