الصفحة 365 من 439

... وهذه حقيقة يجب أن لا نغفل عنها ، وإن ادعى ابن الأثير ـ كعادته ـ في أكثر من موضع ، أنه غير مسبوق بهذا أو ذاك ، فلا عبرة بادعائه إن كان لغيره .

... ولعل ابن الأثير كان ذكيًا حين بدأ كتابه بمدح ابن سنان ضمن ما يمدح ؛ لأنه أدرك أنه سيتعرض له بالنقد فراح يمهد لذلك بمدح الرجل واختياره مع الآمدى ضمن أفضل رجلين أعجب بهما ولذلك راح يقول:

..."وقد ألف الناس في علم البيان كتبًا ، وجلبوا ذهبًا ، وحطّبوا حطبًا ، وما من تأليف إلا وقد تصفحت شينه وسينه ، وعلمت غثه وسمينه ، فلم أجد ما ينتفع به في ذلك إلا كتاب"الموازنة"لأبى القاسم الحسن بن بشر الآمدى ، وكتاب"سر الفصاحة"، لأبى محمد عبد الله بن سنان الخفاجى [1] ".

... ولكن مع هذا المدح لم يستطع ابن الأثير أن يخفى رأيه الحقيقى في ابن سنان وأبدى تحامله عليه دون أن يدرى ، فقال معقبًا على كلامه السابق:"غير أن كتاب"الموازنة"أجمع أصولًا ، وأجدى محصولًا ، وكتاب"سر الفصاحة"وإن نبه فيه على نكت منيرة ، فإنه قد أكثر مما قلّ به مقدار كتابه ، من ذكر الأصوات والحروف والكلام عليها ، ومن الكلام على اللفظة المفردة وصفاتها ، مما لا حاجة إلى أكثره ، ومن الكلام في مواضع شذ عنه الصواب فيها [2] ".

... إن ابن الأثير بنى كتابه على"سر الفصاحة"، فلا تكاد تمر الصفحات القليلة إلا وتطالعنا روح ابن سنان ، ويظهر أثر مؤلفه واضحًا جليًا .

... ومع هذا فقد كان ابن الأثير متحاملًا على ابن سنان ، يقول أستاذى أ.د/ محمد شادى:

... " ولست أدرى إذا كان هذا هو موقف ابن الأثير من كتاب"سر الفصاحة"، فلماذا اعتبره أحد كتابين لم ينتفع بغيرهما كما يزعم [3] "؟!

... ويقول العلامة الطوفى ، ويبدو أنه قد أدرك هو الآخر تحامل ابن الأثير على ابن سنان في مسألة"تباعد المخارج":

(1) المثل السائر 34/1 .

(2) المثل السائر 34/1 .

(3) نشأة البلاغة وأصول علم المعانى ص 216 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت