فهرس الكتاب
رابعا: أن بحيرا هذا كم كان عدد تلامذته في حياته؟ وكم كان عدد الذين التقى بهم وحدثهم عن الكتب السماوية وما جرى وما كان؟ أفكلما جلس مع رجل أو تحدث معه خرج من عنده وقد اصطفاه الله على سائر الخلق وخصه بالرسالة؛ إذا لكان هناك أكثر من نبي بل والعشرات من الأنبياء، إن محمدا صلى الله عليه وسلم ما التقى ببحيرا إلا مصادفة وهو في طريقه إلى الشام للتجارة، وكان صغيرا تابعا لعمه في المرة الأولى، حاملا لأمانة ثقيلة في عنقه لابد أن يؤديها كاملة وهي أمانة العمل في مال خديجة وتجارتها في المرة الثانية.
خامسا:"أن هذه التهمة لو كان لها أدنى نصيب من الصحة؛ لكان أول من تحدث بها قومه ولقاموا لها وقعدوا ولطبلوا وصفقوا بها فرحا لأنهم كانوا أحرص الناس على تبهيته وتكذيبه وإحباط دعوته، لكنهم كانوا أكرم على أنفسهم من هؤلاء الملاحدة؛ لأنهم حينما أرادوا طعنه بأنه تعلم القرآن الكريم من غيره وذلك في قوله تعالى {إنما يعلمه بشر} النحل 16/ 103 أرادوا بالبشر حدادا روميا منهمكا بين مطرقته وسندانه، ضالا طوال يومه في خبث الحديد وناره ودخانه، غير أنه"
اجتمع فيه أمران لم يجتمعا في بحيرا وهما: أنه مقيم بمكة إقامة دائمة تيسر لمحمد صلى الله عليه وسلم الإتصال الدائم به، والآخر أنه غريب عنهم وليس منهم، وغاب عنهم أن هذا الحداد الرومي أعجمي لا يحسن العربية، فكيف يكون مصدرا لهذا القرآن الكريم الذي هو أبلغ نصوص العربية بل هو معجزة المعجزات ومفخرة العرب واللغة العربية" [1] "
سادسا: أن هذه التهمة ليس لها أدنى درجة من درجات الصحة وذلك بالدليل القاطع والبرهان الساطع وهو أن بحيرا نفسه جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسلم وذلك عند فتح خيبر:"(فقد ذكر الواقدي في كتابه أسباب النزول أن جَعْفَر بْن أَبِي طَالِبٍ قَدِمَ مِنَ الْحَبَشَةِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَمَعَهُمْ سَبْعُونَ رَجُلًا، بَعَثَهُمُ النَّجَاشِيُّ"
وَفْدًا إِلَى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، عَلَيْهِمْ ثِيَابُ الصُّوفِ، اثْنَانِ وَسِتُّونَ مِنَ الْحَبَشَةِ، وَثَمَانِيَةٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، وَهُمْ: بَحِيرَا الرَّاهِبُ وَأَبْرَهَةُ، وَإِدْرِيسُ، وأشرف، وتمام، وقيتم، وَدُرَيْدٌ وَأَيْمَنُ. فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم سُورَةَ يس إِلَى آخِرِهَا، فَبَكَوْا حِينَ سَمِعُوا الْقُرْآنَ، وَآمَنُوا وَقَالُوا: مَا أَشْبَهَ هَذَا بِمَا كَانَ يَنْزِلُ عَلَى
(1) بتصريف يسير من كتاب مناهل العرفان للإمام الزرقاني ج 2/ 423