فهرس الكتاب
وأسلوب الحديث النبوي ضرب آخر لا يجل - يعظم- عن المشابهة والمماثلة بل هو يعلو أساليب الناس في جملته، ولا يستطيع بحال أن يرتقي إلى سماء إعجاز القرآن الكريم، وذلك إن افترضت أنه عليه الصلاة والسلام كان له أسلوبان مختلفان أحدهما يحضره ويتعمل له وهو ماسماه بالقرآن، والآخر يرسله ولا يحضًره وهوما سمي بالحديث
(ثالثا: (أن الحديث النبوي إن عجز عامة الناس عن الإتيان بمثله، فلن يعجز أحد خاصتهم عن الإتيان ولو بمقدار سطر واحد منه، أوما يشابهه، حتى ولو اجتمع ما عليها من الثقلين [1]
وإنما قلنا إن الحديث النبوي الشريف لا يعجز بعض الخواص الممتازين أن يأتي بمثله لأن التفاوت بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبلغاء العرب كالتفاوت بين البليغ والأبلغ والفصيح والأفصح، وليس هذا التفاوت بالأمر الشاذ الخارق للنواميس العادية البشرية جملة، بحيث تنقطع الصلة بين الرسول صلى الله عليه وسلم وسائر البلغاء جميعا لاختصاصه من بينهم بفطرة شاذة، لا تمت إلى سائر الفطر بنسب، إلا كما ينتسب النقيض إلى النقيض والضد إلى الضد كلا بل إن هذا القول باطل من وجهين:
(أحدهما) أنه يخالف المعقول والمشاهد لما هو معروف من أن الطبيعة الإنسانية العامة واحدة، ومن أن الطبائع الشخصية يقع بينها التشابه والتماثل في شيء أو أشياء، في واحد أو أكثر، في زمن قريب أو أزمنة متطاولة، في كل فنون الكلام أو في بعض فنونه.
(والآخر (أنه يخالف المنقول في الكتاب والسنة من أن البشرية قدر مشترك بين الرسول صلى الله عليه وسلم وجميع آحاد الأمة، ولا ريب أن لهذه البشرية المشتركة وجه شبه يؤدي لا محالة إلى المماثلة بين كلامه وكلام من تجمعه بهم رابطة أو روابط خاصة، أليس الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي يقول في حديثه الشريف: (( إنما
(1) بتصريف يسير من كتاب (مناهل العرفان) ج 2 ج2 ص 430