الصفحة 58 من 109

{وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (47) وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (48) وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49) } ... الكهف: 47 - 49

المناسبة:

بعد التذكير بحقيقة الدنيا وزوالِها، ناسب ذلك الانتقال إلى مشاهد القيامة وأهوالِها: فقال تعالى {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ} : أمر تعالى بتذكر هذا اليوم إذ لا يجوز لعاقلٍ أن يغفل عنه، ودعا إلى تصوِّر هذا المشهدِ الرهيب واستحضاره حتى يكون المؤمن دائما على حذرٍ من الآخرة واستعدادٍ لها، فكم في هذا اليوم العظيم من أهوالٍ عظامٍ، منها تسييرُ الجبالِ كما تسير السحاب، ودكُّها ونسفُها وبسُّها وتطايرُها قال تعالى {وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (3) } [التكوير: 3] .

و قال جلَّ وعلا: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88) } [النمل: 88] وقال سبحانه {وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (14) } [الحاقة: 14] وقال عز وجل {وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (5) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (6) } [الواقعة: 5 - 6] . وقال تعالى {وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (5) } [القارعة: 5]

وقال سبحانه {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (105) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (106) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (107) } [طه: 105: 107] .

{وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً} : بروزها ظهورها وزوال ما يسترها من الجبال والشجر والبنيان، وبروز ما دُفِنَ في بطنها، كما قال سبحانه: {وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (4) } [الانشقاق: 4] ، وقال جل وعلا {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (2) } [الزلزلة: 1،2] .

{وَحَشَرْنَاهُمْ} : جمعناهم إلى الموقف من كل مكان {فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا} : فلم نترك منهم أحدًا. ونظيره قوله تعالى {قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (49) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (50) } [الواقعة: 49، 50] {وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا} لم يتخلَّف منهم أحد، وقد وقفوا في صفوف منتظمة، في خضوعٍ واستسلام وتجرُّدٍ وانكسارٍ.

{لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} يقول لهم رب العزة لقد جئتمونا حفاةً عراةً، قد تجرَّدتم من كل حولٍ وقوةٍ، كما قال سبحانه وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت