فهرس الكتاب
المقاصد السامية لتلك القصة
هنالك مقاصدُ ومعانٍ تحملُها لنا هذه القصةُ الهادفةُ البناءة، الشافيةُ الكافية، التي سيقت لتعالج قضايا حيوية ومشكلاتٍ أساسية تعاني منها كثيرٌ من المجتمعات والبيوت.
مشكلاتٍ عويصةٍ مزمنة، متشابكةٍ متعاقبة، جاءت هذه الرحلة لتسلط الأضواء عليها، وتلفت الأنظار إليها، وتبين المنهج الأمثل والحلول الحاسمة لها.
من هذه المشكلات: مشكلة الظلم الاجتماعي: المتمثل في نموذج الملك الغاصب الذي ينهب الرعية ويستبيح أموالهم ويستنزف ثرواتهم، دون أن يلقي لذلك بالا، أو يجد من ينكر عليه أفعاله الشنيعة، ويحول بينه وبين ركوبِ متنِ الحرام، وارتكابِ الجرائم العظام، سيَّما في حق المساكين من الضعفاء المقهورين! المستضعفين الكادحين! وأنَّى لأحدٍ أن ينكرَ أو يشتكي؛ وقد ألجمَ الطاغيةُ الألسنةَ، وكَمَّمَ الأفواهَ وأذهلَ العقولَ وشرَّد الجموعَ، وملأ القلوب رعبا وهلعا وجعل من مملكتِهِ سجونا مُفَتَّحةً قد عجَّت بالأبرياءِ والمظلومين.
على حد قول الأخطل الصغير
ألجِم لسانَكَ ألجِمْ ... فالموتُ للمتكلِّم
لا يسألونك إن أُخذتَ أَثِمْتَ أم لَم تأثمْ
فالسِّجنُ خيرُ مرحِّبٍ والحبلُ خيرُ مسلِّم
ولربََّ مأخوذٍ بذنبِ عَشِيرَةٍ ... ونجا المُقَارِفُ صَاحِبُ الذَّنبِ
قال تعالى {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (79) }
مشكلة أسرية: تتمثل في أخطر ما يهدد مستقبلَ الأسرة الهادئة الهانئة: ويُكدِِّرُ صفوَها ويبدد جُهْدَهَا ويُشتتُ جمعَها ويُعطِّل مسيرها: وهو ما قد تُسفرُ عنه الأيام من عقوق الوالدين، في زمانٍ تمسُّ الحاجةُ فيه إلى برِّهما، فإذا المودة وقد انقلبت عداوةً ونكرانا، وإذ بالبر والإحسان يُقَابَلُ بالعقوق والجفاءِ، والجحود والنسيان.
ولسان حال ذلك الذي تفطَّر قلبه وتفتت كَبِدُهُ غما وكمدا على فَلَذَةِ كبدِهِ الذي قابل الإحسانَ بالإساءة: كما قال إبراهيم بن العباس:
وَكُنْتُ أَذُمُّ إِلَيْكَ الزَّمَانَ ... فَأَصْبَحْتُ فِيكَ أَذمُّ الزَّمَانا
وَكُنْتُ أعدُّكَ لِلنَّائِبَات ... فها أَنا أَطْلُبُ مِنْكَ الأَمَانا