فهرس الكتاب
صلتها بما قبلها: لما بين الله عز وجل في الآية السابقة أنه تعالى رحيمٌ في ملكه عادلٌ في حكمه، ومن ذلك إهلاكه للظالمين بعد إمهالهم وإعذارهم قال تعالى {وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (58) } الكهف: 58
بيَّن في هذه القصة أمثلةً واقعيةً للعدلِ الإلهيِّ، ولما جعل الله لهلاك الظالمين موعدا محددا: فقد جعل الله للقاء موسى مع الخضر موعدا مؤكَّدًا، فكلُّ شيء له وقتٌ وتقديرٌ.
وليعلم الدعاةُ والمصلحون أن إمهال الله للظالمين واستدراجهم والمسارعة لهم في الخيرات لِحَكَمٍ جليلةٍ، كما تمخضتْ أفعالُ الخضرِ التي فعلها عن أمرٍ إلهيٍّ عن حِكَمٍ عجيبةٍ.
صلتها وانتظامها مع باقي القصص الواردة في السورة الكريمة ومحورِها العام:
اشتملت سورةُ الكهف على مجموعةٍ من القصص العجيبة والأمثال الواقعية والنماذج البشرية والقيم والمعاني السامية التي تُحلِّق بنا في أجواء الفضيلة، وتغوصُ في أعماق النفس البشرية لتسبرَ لنا أغوارها، وتكشفَ شيئا من مكنوناتها، وتُجليَ لنا معالمَ العصمة وطرائق النجاة من الفتن، وتقدم لنا مفاتحَ الثبات أمام المحن.
فتنٌ كثيرة كم كانت سببا في هلاك أنفسٍ، وإتلاف أموالٍ، وضياع ثرواتٍ، والانحراف عن طريق الحق إلى دركِ الشقاء في الدنيا والآخرة.
جاءت قصة موسى مع الخضر عليهما السلام لتبين لنا قيمة العلم النافع وهو أقوى الأسلحة وأمضاها أمام جحافل الفتن وكتائبِ البلاء والمحن.
جاءت لتأخذ بأيدينا وتوجه عقولنا وأنظارنا نحو العلم الشرعي الذي من أجله خرج موسى - عليه السلام - يحدوه العزمُ والإصرارُ على مواصلة السير إلى ذلك العبد الصالح لينهل من علمه.
ومن وجوه المناسبات أيضا: أنه تعالى لما أشار في هذه السورة الكريمة إلى زينة الدنيا ومباهجها جاءت الرحلةُ الميمونةُ: لتمسَّ ثلاثة ألوان من ألوان الزينةِ: زينةُ المُلْكِ والسلطان ولكن ما قيمته إذا كان بيد ملِكٍ غاصبٍ! وزينةُ الولد: ولكن ما مزيَّته إذا خرج الولد عاقًّا جاحدًا! وزينة المال: فما أزينَهُ إذا كان لعبدٍ صالحٍ! كما في قصة الغلامين اليتيمين.
ولقد أبرزَ الفخر الرازي مناسبةً بين قصة موسى والخضر وبين قصة أصحاب الكهف والرد على الكفار الذين افتخروا على الفقراء وتعالَوا عليهم، فقال:"... أما نفعُ هذه القصة في الرد على الكفار الذين افتخروا على فقراء المسلمين بكثرة الأموال والأنصار فهو أن موسى - عليه السلام - مع كثرة علمه وعمله وعلوِّ منصبه واستجماع موجبات الشرف التام في حقه ذهب إلى الخضر لطلب"