ألا ترى إلى قوله تعالى:" {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ ... الآية ، إلى قوله تعالى: لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} كيف تخطت ( إنَّ ) ألفاظ الآية , وهي كثيرة ولم يمنعها من العمل في"آيات"دخول اللام المعترضة؟ فكذلك هو- أعز الله نصره- وإن كان مقيمًا في"حلب"حرسها الله، يؤثر فعله"
وسياسته فيمن وراء الدروب وإن فصل بينهما أعلام وسهوب" [1] ."
لعل جميع ما سبق يوضح أن أبا العلاء لم يكن بصريًا ولا كوفيًا , كما لم يكن بغداديًا, ولعل أصدق ما يقال فيه: إنه أديب منتح ٍ .
أدلة النحو عند أبي العلاء
قال الأنباري عن أقسام أدلة النحو:"أقسام أدلته ثلاثة: نقل , وقياس , واستصحاب حال" [2] .
وأبو العلاء لم يخالف تلك الأدلة , إلا كما يخالفها الأديب النحوي , فهو يعلن أن:"نقل كلامهم بالسماع , فقيسَ منه ما اطرد, ورُدَّ ما خرج عن القياس إلى نقل السامعين" [3] .
فهو يحترم السماع , إلا أنه كان ينقد ما أثر عن العرب , ويتهم الرواة , و أحيانًا النحاة بتغيير الرواية , و لا يفعل ذلك ليقيم قاعدة كما هو شأن النحاة , ولكن البيت إذا جافى الطبع , والذوق اتهمه بتغيير الرواية , يقول:"ويسأل عن امرىء القيس بن حجر، فيقل: ها هو ذا بحيث يسمعك. فيقول: يا أبا هند إنَّ رواة البغداديين ينشدون في"
* قفا نبك *، هذه الأبيات بزيادة الواو في أوَّلها، أعني قولك:
* وكَأَنَّ ذُرى رَأسِ المُجَيمِرِ غُدوَةً * [4]
(1) ... رسالة الصاهل والشاحج صـ418, 419 بتصرف يسير.
(2) ... لمع الأدلة صـ 81 . ...
(3) ... رسالة الملائكة صـ 131.
(4) ... صدر بيت من بحر الطويل , وهو في معلقة أمرئ القيس صـ 25 .وتمامه: مِنَ السَيلِ وَالغُثّاءِ فَلكَةُ مِغزَلِ.