فهرس الكتاب
(( لم يزل الخدم يسلمونني من خدمٍ الى خدم، حتى أفضيتُ الى دار مفروشة الصحن، مُلْبسة الحيطان بالوشي المنسوج بالذهب، ثم أفضيتُ الى رواق أرضية حيطانه مُلبسة بمثل ذلك، وإذا الواثق في صدره على سرير مرصّع بالجوهر وعليه ثياب منسوجة بالذهب، والى جانبه فريدة جاريته، عليها مثل ثيابه وفي حِجْرها عود. فلما رآني قال: جوّدت [1] والله يامحمد الينا. فقبّلتُ الارض ثم قلتُ: يا أمير المؤمنين خيرًا، قال خيرًا، أما ترانا، طلبتُ والله ثالثًا يؤنسنا فلم أرَ أحق منك بذلك، .. واندفعت فريدة تغني .. فجاءت والله بالسحر، وجعل الواثق يجاذبها، وفي خلال ذلك تغني الصوت بعد الصوت، وانا أغني في خلال غنائها، فمرّ لنا أحسن ما مر لأحد .. ) ) [2] .
الخوف وترقب العقاب هذا ما كان ينتاب نفس ابن بُسخنّر وهو يسمع رُسل الخليفة تطرق بابه وتستدعيه في يوم غير يومه .. وتزداد وتيرة الأحداث حِدّة بدخول المغني دار الخليفة، وهنا يبدأ الحل ويزول القلق اثر علمه من الواثق أنّه أراده مؤنسًا له ومطربًا إيّاه، وقد جاء سرد الراوي في هذا الخبر جامعًا بين أمرين الوصف و تصوير المشاعر المرتابة القلقة.
وإذا كانت دورالخلفاء قصورًا يزخرفها الذهب وترصعها الجواهر انسجامًا مع طبقة ساكنيها الاجتماعية، فإنّنا نجد في بيوت الاخرين من العامة بيوتًا هي الاخرى جاءت منسجمة مع طبقتهم ايضًا، فلكلّ شخص ما يناسبه، ومن امثال هذه البيوت ما يصفه لنا الراوي لبيت عبد الحكم بن عمرو، يقول: (( كان عبد الحكم بن ... عمرو ... قد اتخذ بيتًا فجعل فيه شطرنجات ونردات [3] ...
(1) - جوّدت: اسرعتَ كالفرس الجواد، ينظر: لسان العرب: 3/ 136، مادة (جود) .
(2) - الاغاني: 4/ 115 - 116.
(3) - نردات: شيء يلعب به، فارسي معرب وهو الرد شير، ينظر: لسان العرب: 3/ 421، مادة (نرد) .