الصفحة 104 من 248

له هند: انزل الينا، واحسر عمامتك عن وجهك، فقد عرفنا ضالتك وأنت الان تقّدر أنّك قد احتلت علينا ونحن والله قد احتلنا عليك، فضحك عُمر ونزل اليهن، فتحدث معهن، حتى أمسوا )) [1] .

يرتبط الحديث في هذا الخبر بالمكان ارتباطًا لصيقًا فالأنس والضحك والمزاح والتغزل بالمحبوبات كلها أحداث اطّرها المتنزه مكونًا مسْرحًا تتحاورُ فيه الشخصيات وتتغازل .. كل ذلك عمد اليه الراوي ليأتي منسجمًا مع طبيعة المكان الذي لفّ مجريات الأحداث منذ اللحظة الاولى لاجتماع الحبيبات وحتى لحظة لقائهن بالمحبوب .. ليتابع المتلقي قراءة الخبر مستمتعًا، مسايرةً للشخصيات التي نالها من المتعة والانس ما نالها على اثر تنكر (عُمر) نتيجة لحيلة احتلن بها عليه نساؤه.

ومن أمثلة المتنزهات ما نقرأه في خبر أبي العتاهية واجتماعه ببعض أصحابه، يقول الخبر على لسان احدى الشخصيات المشاركة في الأحداث:

(( دخلت على أبي العتاهية في بعض المتنزهات، وقد دعا عياّشًا صاحب الجسر وتهيأ له بطعام وقال لغلامه: إذا وضعت قدّامهم الغداء فقّدم إليّ ثريدة بخلٍّ وزيت. فدخلت عليه، وإذا هو يأكل منها أكل مُتكمش [2] غيرمنكر لشيء. فدعاني فمددتُ يدي معه، فإذا بثريدة بخلٍّ وبزْر بدلًا من الزيت. فقلت له أتدري ما تأكل؟ قال: نعم ثريدة بخلٍّ وبزْر. فقلت: وما دعاك الى هذا؟ قال: غلط الغلام بين دبّة الزيت

(1) ـ الاغاني: 22/ 8 - 9.

(2) - متكمش: مسرع في أكله، ينظر: لسان العرب: 6/ 343، مادة (كمش) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت