فهرس الكتاب
يقصُّ اسحاق ما جرى له حين نزل عند إحدى الخمّارات وكيف استقى الخمر، والراوي هنا لا يكتفي بمجرد سرد الأحداث بل يضفي عليها روحًا وحيوية وهو يصف للقارئ ما يلفت ناظريه من بيت مُلأ بعطر الريحان .. ثم تزداد الامور إثارة وهو ينظر الى فتاةٍ لم يرَ أحسن منها جمالًا وظرافة، كل هذا استهوى اسحاق وجعله مُنشدًّا بقوة لبيت الخمّارة، حتى بات لا يرغب في مفارقته لولا أنّ رُسل الرشيد تستدعيه وتمضي به.
وفي مثال اخر للمكان المألوف يصور لنا الاصبهاني السجون في بعض حالاتها مواطن تلتقي فيها الاحبة وتتبادل الاحاديث فيما بينها وهو أمرٌ لعله غير معهود فلطالما كانت السجون مثلًا للعذاب والالم وتقييد الحريات .. إلا اننا سبق وأشرنا الى أنّ المكان يكتسب صفته على وفق تجربة الشخصيات وما يقع عليها فيه.
ومن إلفة السجون ما يردُ في خبر محمد بن صالح العلوي وقصته مع حمدونة، يقول محمد: (( بينا أنا ذات يومٍ في محبسي إذ جاءني السجّان، وقال لي: إنّ بالباب امرأتين تزعمان أنّهما من اهلك، وقد حُظِر عليّ أنْ يدخل عليك احد، إلا أنّهما اعطتاني دملج ذهب، وجعلتاه لي إنْ اوصلتهما اليك، وقد اذنت لهما، وهما في الدهليز، فأخرج اليهما إنْ شئت ... فخرجتُ اليهما، فإذا بصاحبتي، فلما رأتني بكت لما رأت من تغير خلْقي، وثقل حديدي فأقبلت عليها الاخرى فقالت: أهوَ هو؟ فقالت: أي والله إنّه لهوَ هو، ثم اقبلت علي فقالت: فداك ابي وامي ... ووالله لا تركتُ المعاودة لك والسعي في حاجتك وخلاصك بكلّ حيلةٍ ومال وشفاعةٍ، وهذه دنانير وثياب وطيب، فاستعن بها على موضعك، ورسولي يأتيك في كل يوم بما يصلحك، حتى يفرّج الله عنك. ثم اخرجت لي كسوة وطيبًا ومائتي دينار وكان