فهرس الكتاب
رسولها يأتيني بكل يوم بطعام نظيف، وتواصل برّها بالسجّان، فلا يمتنع من كلّ شيء أريده )) [1] .
يمثل السجن في كثير من حالاته مكانًا لفراق الاحبة والبعد عنهم فلا تبقى سوى الصورة في الاذهان، إلا أنّنا وعندما نقرأ الخبر المتقدم نلمح خلاف ذلك، إذ يتحوّل السجن من حيز فراق وغربة الى حيز لقاء بالحبيبة ووسيلة للحديث معها، معتمدًا الراوي في ذلك اسلوب الحوار الخارجي الذي استطاع أنْ يكشف بوضوح عن مشاعر حبيبين التقيا، كانا صادقين في حبّهما، مما دفع حمدونة الى بذل ما تستطيع في سبيل خلاص (محمد) من سجنه واطلاق حريته، فضلًا عن محاولتها كسب رضا السجاّن كي لا يسيء المعاملة لمحمد من خلال ما كانت ترفعه اليه بغية ذلك.
ومن النماذج الاخرى التي يمكن لنا أنْ نستشهدُ بها في هذا الموضع مايرويه لنا الاصبهاني في خبر ابن جامع وقصته مع عُمر بن عبد العزيز الذي بلغه أنّ في المدينة مخنثًا قد افسد نساء المدينة فيطلب الخليفة إحضاره، وهنا تبدأ الأحداث بالتصاعد حين يسأل عُمر ابن جامع قائلًا: (( أتحفظ القرآن؟ قال: لا والله يا أبانا .. فقال له عُمر: أتقرأ من المفصّل شيئًا؟ قال: لا. قال: ويلك! أتقرأ من القرآن شيئًا؟ قال: نعم، اقرأ(الحمد لله) وأخطئ فيها في موضعين او ثلاثة .. )) [2] .
تثير حفيظة عُمر بن عبد العزيز على اثر هذه المحاورة اليائسة، فيأمر بالاتي: (( ضعوه بالحبس ووكّلوا به معلمًا يعلمه القرآن وما يجب عليه من حدود الطهارة
(1) ـ الاغاني: 16/ 365 - 366.
(2) - م. ن: 6/ 337.