فهرس الكتاب
من هنا كان للسجون اثارها البغيضة في حياة البشر فهو جسمٌ عدائي على المستويين الزماني والمكاني إذ الإقصاء فيه مضاعف: إقصاء مكاني و إقصاء زماني [1] .
ومن الاماكن العدائية التي لم ينسَ الاصبهاني الوقوف عندها (الجبل) فكثيرًا ما حفل تراثنا السردي القديم نثره وشعره بذكر الجبل، مصوّرًا إيّاه في اغلب حالاته مكانًا للعزلة والإبعاد، هربًا من سلطة ـ مهما كان نوعها ـ او طلبًا للصعلكة واحيانًا يرى فيه بعض الافراد مأوى للإنفراد والابتعاد عن البشر.
هناك حيث الرمال الحارّة والطبيعة القاسية تدور أحداث خبر تأبط شرًا حين خرج هو وصاحبيه يريدون الإغارة على قوم بُجيلة، فالإغارة والسلب من صفات تأبط شرًا وأمثاله من الصعاليك، يقول راوي الخبر: (( خرج تأبط شرًا ومعه صاحبان له: عمرو بن كلاب اخو المسيّب وسعد بن الاشرس وهم يريدون الغارة على بُجيلة، وهم في جبل ليس لهم طريق عليهم فأحاطوا بهم واخذوا عليهم الطريق، فقاتلوهم فقتِلَ صاحبا تأبط شرًا ونجا، ولم يكد حتى أتى على قومه. فقالت له امرأته: هربت عن أخي وتركته وغررته، أمَا والله لو كنت كريمًا لما اسلمته ) ) [2] .
يحتضن الجبل القتال الذي دار بين الصعالكة وقوم بُجيلة، ليصوّر الاصبهاني وهو يروي لنا الخبر صفات أناس دأبوا على النهب والقتل وانتهاك حرمات غيرهم، إلا أنّ محاولتهم هناك تبوء بالفشل إذ تتغلب بجيلة على هؤلاء الصعاليك فيُقتل عمرو وسعد في حين ينجو تأبط شرًا، لكن نجاته بحياته تكسيه عارًا حين يرجع الى امرأته وقد قُتل اخوها عمرو، هنا تحاول امرأة تأبط شرًا أنْ تُحرك في داخله
(1) - ينظر: م. ن والصفحة.
(2) - الاغاني: 21/ 147.