فدعونه الى النزول والحديث فنزل وجعل يحدثهن ... فبينا هو كذلك، إذ طلع عليهم فتى عليه بُرْدة من بُرد الاعراب يقال له: مُنازل يسوقُ معزى له، فلما رأينَه اقبلنَ عليه وتركنَ المجنون، فغضب وخَرج من عندهنَّ ... فلما اصبح لبس حلّته وركب ناقة له اخرى ومضى متعرضًا لهن، فألفى ليلى قاعدة بفناء بيتها وقد علق حبّه بقلبها وهويته .. فجعلت تُعرض عن حديثه ساعةً بعد ساعة وتُحدث غيره، وقد كان علق بقلبه مثل حبّها إيّاه وشغفته واستملحها .. )) . [1]
ويمضي الاصبهاني ساردًا ما حصل بين الحبيبين حين يُقبلُ شخص آخر تعمد ليلى الى محادثته من دون المجنون فيتغير وجهه ويشقّ عليه هذا الفعل، هنا تُنْشد ليلى بيتين من الشعر تؤثر في المجنون أيمّا تأثير، يقول الراوي: (( فأنشأت تقول:
كِلانا مُظهرٌ للناسِِ بغضًا ... وكلٌّ عندَ صاحبهِ مَكينُ
تُبلغنا العيونُ بما أردنا ... وفي القلبينِ ثَمَّ هوى دَفينُ
فلما سمع البيتين شهق شهقة شديدة واغمي عليه، فمكث على ذلك ساعة، ونضحوا الماء على وجهه [حتى أفاق] وتمكن حبّ كلّ منهما في قلب صاحبه حتى بلغ منه كلّ مبلغ )) [2] .
وعلى اثر هذه الحادثة يجنّ قيسٌ بحبِّ ليلى ليكونا أسطورة من أساطير الحب سعى الاصبهاني الى ذكرها، وإيضاحها للمتلقي.
وتندرج ضمن هذه الوظيفة ما يمكن تسميته بـ (التعريف بالمقام) اذ عمد الاصبهاني في كثير من المواضع الى الاشارة الى مقام شخصياته والتعريف بمكانتها ووجاهتها، من ذلك مثلًا حين يُطلعنا على مكانة الفرزدق قائلًا: (( والفرزدق مقدم على الشعراء الاسلاميين هو جرير والأخطل، ومحلّه في الشعر أكبر من أنْ يُنبّه
(1) ـ م. ن: 2/ 12 - 14.
(2) - الاغاني: 2/ 14.